البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المؤمنين › [سورة النور (24) : آية

تلك الأعمال صارت أسبابا وسننا تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سننا وقوانين عمرانية سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد. ألا ترى أن القادة الأروبيين بعد أن اقتبسوا من الإسلام قوانينه ونظامه بما ما رسوه من شؤون المسلمين في خلال الحروب الصليبية ثم بما اكتسبوه من ممارسة كتب التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة النبوية قد نظموا ممالكهم على قواعد العدل والإحسان والمواساة وكراهة البغي والعدوان فعظمت دولهم واستقامت أمورهم. ولا عجب في ذلك فقد سلط الله الآشوريين وهم مشركون على بني إسرائيل لفسادهم فقال: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا وقد تقدم في سورة الإسراء [4، 5] . والاستخلاف: جعلهم خلفاء، أي عن الله في تدبير شؤون عباده كما قال: إني جاعل في الأرض خليفة وقد تقدم في سورة البقرة [30] . والسين والتاء للتأكيد. وأصله: ليخلفنهم في الأرض. وتعليق فعل الاستخلاف بمجموع الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإن كان تدبير شؤون الأمة منوطا بولاة الأمور لا بمجموع الأمة من حيث إن لمجموع الأمة انتفاعا بذلك وإعانة عليه كل بحسب مقامه في المجتمع، كما حكى تعالى قول موسى لبني إسرائيل: وجعلكم ملوكا كما تقدم في سورة العقود [20] . ولهذا فالوجه أن المراد من الأرض جميعها، وأن الظرفية المدلولة بحرف (في) ظاهرة في جزء من الأرض وهو موطن حكومة الأمة وحيث تنال أحكامها سكانه. والأصل في الظرفية عدم استيعاب المظروف الظرف كقوله تعالى: واستعمركم فيها [هود: 61] .

التحرير والتنوير · الجزء ١٨ · ص ٢٨٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٨٥)