البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المؤمنين › [سورة النور (24) : آية

يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] وقوله في سياق الذم: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [البقرة: 205] وقوله: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم [محمد: 22] . وبين الرسول عليه الصلاة والسلام تصرفات ولاة الأمور في شؤون الرعية ومع أهل الذمة ومع الأعداء في الغزو والصلح والمهادنة والمعاهدة، وبين أصول المعاملات بين الناس. فمتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما وضح لهم الشرع تحقق وعد الله إياهم بهذا الوعد الجليل. وهذه التكاليف التي جعلها الله قواما لصلاح أمور الأمة ووعد عليها بإعطاء الخلافة والتمكين والأمن صارت بترتيب تلك الموعدة عليها أسبابا لها. وكانت الموعدة كالمسبب عليها فشابهت من هذه الحالة خطاب الوضع، وجعل الإيمان عمودها وشرطا للخروج من عهدة التكليف بها وتوثيقا لحصول آثارها بأن جعله جالب رضاه وعنايته. فبه يتيسر للأمة تناول أسباب النجاح، وبه يحف اللطف الإلهي بالأمة في أطوار مزاولتها واستجلابها بحيث يدفع عنهم العراقيل والموانع، وربما حف بهم اللطف والعناية عند تقصيرهم في القيام بها. وعند تخليطهم الصلاح بالفساد فرفق بهم ولم يعجل لهم الشر وتلوم لهم في إنزال العقوبة. وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 105- 107] يريد بذلك كله المسلمين. وقد مضى الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وقوله: إن الله يدافع عن الذين آمنوا في سورة الحج [38] . فلو أن قوما غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله لاجتنوا من سيرتهم صورا تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون لأن

التحرير والتنوير · الجزء ١٨ · ص ٢٨٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٨٤)