البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المؤمنين › [سورة المؤمنون (23) : الآيات 97 إلى

(98) الظاهر أن يكون المعطوف مواليا للمعطوف هو عليه، فيكون قوله وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين متصلا بقوله: ادفع بالتي هي أحسن السيئة [المؤمنون: 96] فلما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن، أي التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبيء صلى الله عليه وسلم، فيكون الشياطين مستعملا في حقيقته. والمراد من همزات الشياطين: تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان (أي في غير أمور التبليغ) مثل تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبيء صلى الله عليه وسلم في الحديث «ولكن الله أعانني عليه فأسلم» . ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضيا تكفل الله تعالى بالاستجابة كما في قوله تعالى: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [البقرة: 286] ، أو يكون أمره بالتعوذ من همزات الشياطين مرادا به الاستمرار على السلامة منهم. قال في «الشفاء» : الأمة مجتمعة (أي مجمعة) على عصمة النبيء صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس. ويجوز أن تكون جملة وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين عطفا على جملة قل رب إما تريني ما يوعدون [المؤمنون: 93] بأن أمره الله بأن يلجأ إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم، فيكون المراد من الشياطين المشركين فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن [الأنعام: 112] ويكون هذا في معنى قوله: قل أعوذ برب الناس إلى قوله الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس [الناس: 1- 6] فيكون المراد: أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات الشياطين منهم. والهمز حقيقته: الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه، ويستعمل مجازا بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة، ومنه قوله تعالى: هماز مشاء بنميم [القلم: 11] وقوله: ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1] .

التحرير والتنوير · الجزء ١٨ · ص ١٢١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٢١)