سورة مريم › سورة الأنبياء (21) : الآيات 38 إلى 40
وذكر الوجوه والأدبار للتنكيل بهم وتخويفهم لأن الوجوه أعز الأعضاء على الناس كما قال عباس بن مرداس: نعرض للسيوف إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للطام ولأن الأدبار يأنف الناس من ضربها لأن ضربها إهانة وهزي، ويسمى الكسع. والوجه الثاني: أن يكون ضمير يكفون عائدا إلى الذين كفروا، والكف بمعنى الدرء والستر مجازا بعلاقة اللزوم، أي حين لا يستطيعون أن يدفعوا النار عن وجوههم بأيديهم ولا عن ظهورهم. أي حين تحيط بهم النار مواجهة ومدابرة. وذكر الظهور بعد ذكر الوجوه عن هذا الاحتمال احتراس لدفع توهم أنهم قد يكفونها عن ظهورهم إن لم تشتغل أيديهم بكفها عن وجوههم. وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه جميع من لدينا كتبهم من المفسرين. والوجه الأول أرجح معنى، لأنه المناسب مناسبة تامة للكافرين الحاضرين المقرعين ولتكذيبهم بالوعيد بالهلاك في قولهم متى هذا الوعد ولقوله تعالى سأريكم آياتي [الأنبياء: 37] كما تقدم. وقوله تعالى: ولا هم ينصرون عطف على لا يكفون أي لا يكف عنهم نفح النار، أو لا يدفعون عن أنفسهم نفح النار ولا يجدون لهم ناصرا ينصرهم فهم واقعون في ورطة العذاب. وفي هذا إيماء إلى أنهم ستحل بهم هزيمة بدر فلا يستطيعون خلاصا منها ولا يجدون نصيرا من أحلافهم. و (بل) للإضراب الانتقالي من تهويل ما أعد لهم، إلى التهديد بأن ذلك يحل بهم بغتة وفجأة، وهو أشد على النفوس لعدم التهيؤ له والتوطن عليه، كما قال كثير: فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت