البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الإسراء › [سورة الإسراء (17) : آية

وتغيير أسلوب الخطاب في قوله: وربك أعلم بعد قوله: ربكم أعلم بكم [الإسراء: 54] إيماء إلى أن الغرض من هذه الجملة عائد إلى شأن من شؤون النبيء صلى الله عليه وسلم التي لها مزيد اختصاص به، تقفية على إبطال أقوال المشركين في شؤون الصفات الإلهية، بإبطال أقوالهم في أحوال النبي. ذلك أن المشركين لم يقبلوا دعوة النبيء بغرورهم أنه لم يكن من عظماء أهل بلادهم وقادتهم، وقالوا: أبعث الله يتيم أبي طالب رسولا، أبعث الله بشرا رسولا، فأبكتهم الله بهذا الرد بقوله: وربك أعلم بمن في السماوات والأرض فهو العالم حيث يجعل رسالته. وكان قوله: وربك أعلم بمن في السماوات والأرض كالمقدمة لقوله: ولقد فضلنا بعض النبيئين الآية. أعاد تذكيرهم بأن الله أعلم منهم بالمستأهل للرسالة بحسب ما أعده الله فيه من الصفات القابلة لذلك، كما قال الله تعالى عنهم قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالاته في سورة الأنعام [124] . وكان الحكم في هذه المقدمة على عموم الموجودات لتكون بمنزلة الكلية التي يؤخذ منها كل حكم لجزئياتها، لأن المقصود بالإبطال من أقوال المشركين جامع لصور كثيرة من أحوال الموجودات من البشر والملائكة وأحوالهم لأن بعض المشركين أحالوا إرسال رسول من البشر، وبعضهم أحالوا إرسال رسول ليس من عظمائهم، وبعضهم أحالوا إرسال من لا يأتي بمثل ما جاء به موسى- عليه الصلاة والسلام-. وذلك يثير أحوالا جمة من العصور والرجال والأمم أحياء وأمواتا. فلا جرم كان للتعميم موقع عظيم في قوله: بمن في السماوات والأرض، وهو أيضا كالمقدمة لجملة ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض، مشيرا إلى أن تفاضل الأنبياء ناشىء على ما أودعه الله فيهم من موجبات التفاضل. وهذا إيجاز تضمن إثبات النبوءة وتقررها فيما مضى ما لا قبل لهم بإنكاره، وتعدد الأنبياء مما

التحرير والتنوير · الجزء ١٥ · ص ١٣٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٣٦)