البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الإسراء › سورة الإسراء (17) : الآيات 50 إلى 52

الوجه الثالث: أن يكون قوله: قل كونوا حجارة كلاما مستأنفا ليس جوابا على قولهم: أإذا كنا عظاما ورفاتا [الإسراء: 49] إلخ وتكون صيغة الأمر مستعملة في التسوية. وفي هذا الوجه يكون قوله: فسيقولون من يعيدنا متصلا بقوله: كونوا حجارة أو حديدا إلخ، ومفرعا على كلام محذوف يدل عليه قوله: كونوا حجارة، أي فلو كانوا كذلك لقالوا: من يعيدنا، أي لانتقلوا في مدارج السفسطة من إحالة الإعادة إلى ادعاء عدم وجود قادر على إعادة الحياة لهم لصلابة أجسادهم. وبهذه الوجوه يلتئم نظم الآية وينكشف ما فيه من غموض. والحديد: تراب معدني، أي لا يوجد إلا في مغاور الأرض، وهو تراب غليظ مختلف الغلظ، ثقيل أدكن اللون، وهو إما محتت الأجزاء وإما مورقها، أي مثل الورق. وأصنافه ثمانية عشر باعتبار اختلاف تركيب أجزائه، وتتفاوت ألوان هذه الأصناف، وأشرف أصنافه الخالص، وهو السالم في جميع أجزائه من المواد الغريبة. وهذا نادر الوجود وأشهر ألوانه الأحمر، ويقسم باعتبار صلابته إلى صنفين أصليين يسميان الذكر والأنثى، فالصلب هو الذكر واللين الأنثى. وكان العرب يصفون السيف الصلب القاطع بالذكر. وإذا صهر الحديد بالنار تمازجت أجزاؤه وتميع وصار كالحلواء فمنه ما يكون حديد صب ومنه ما يكون حديد تطريق، ومنه فولاذ. وكل صنف من أصنافه صالح لما يناسب سبكه منه على اختلاف الحاجة فيها إلى شدة الصلابة مثل السيوف والدروع. ومن خصائص الحديد أن يعلوه الصدأ، وهو كالوسخ أخضر ثم يستحيل تدريجا إلى أكسيد (كلمة كيمياوية تدل على تعلق أجزاء الأكسجين بجسم فتفسده) وإذا لم يتعهد الحديد بالصقل والزيت أخذ الصدأ في نخر سطحه، وهذا المعدن يوجد في غالب البلاد. وأكثر وجوده في بلاد الحبشة وفي صحراء مصر. ووجدت في البلاد التونسية

التحرير والتنوير · الجزء ١٥ · ص ١٢٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٢٦)