سورة الإسراء › سورة الإسراء (17) : آية 3
وفيه أن ذرية نوح كانوا شقين شق بار مطيع، وهم الذين حملهم معه في السفينة، وشق متكبر كافر وهو ولده الذي غرق، فكان نوح- عليه السلام- مثلا لأبي فريقين، وكان بنو إسرائيل من ذرية الفريق البار، فإن اقتدوا به نجوا وإن حادوا فقد نزعوا إلى الفريق الآخر فيوشك أن يهلكوا. وهذا التماثل هو نكتة اختيار ذكر نوح من بين أجدادهم الآخرين مثل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب- عليهم السلام-، لفوات هذا المعنى في أولئك. وقد ذكر في هذه السورة استئصال بني إسرائيل مرتين بسبب إفسادهم في الأرض وعلوهم مرتين وأن ذلك جزاء إهمالهم وعد الله نوحا- عليه السلام- حينما نجاه. وتأكيد كون نوح كان عبدا شكورا بحرف (إن) تنزيل لهم منزلة من يجهل ذلك إما لتوثيق حملهم على الاقتداء به إن كانت الجملة خطابا لبني إسرائيل من تمام الجملة التفسيرية، وإما لتنزيلهم منزلة من جهل ذلك حتى تورطوا في الفساد فاستأهلوا الاستئصال وذهاب ملكهم، لينتقل منه إلى التعريض بالمشركين من العرب بأنهم غير مقتدين بنوح لأن مثلهم ومثل بني إسرائيل في هذا السياق واحد في جميع أحوالهم، فيكون التأكيد منظورا فيه إلى المعنى التعريضي. ومعنى كون نوح عبدا أنه معترف لله بالعبودية غير متكبر بالإشراك، وكونه شكورا، أي شديدا لشكر الله بامتثال أوامره. وروي أنه كان يكثر حمد الله. والاقتداء بصالح الآباء مجبولة عليه النفوس ومحل تنافس عند الأمم بحيث يعد خلاف ذلك كمثير للشك في صحة الانتساب. وكان نوح- عليه السلام- مثلا في كمال النفس وكانت العرب تعرف ذلك وتنبعث على الاقتداء به. قال النابغة: فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون