سورة الإسراء › [سورة الإسراء (17) : آية
ومنها: التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله: إنه هو السميع البصير، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير لنريه لأن الشأن تناسق الضمائر، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن. فقوله: إنه هو السميع البصير الأظهر أن الضميرين عائدان إلى النبيء صلى الله عليه وسلم. وقاله بعض المفسرين، واستقربه الطيبي، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى. ولعل احتماله للمعنيين مقصود. وقد تجيء الآيات محتملة عدة معان. واحتمالها مقصود تكثيرا لمعاني القرآن، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة. وأياما كان فموقع (إن) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها. وهي إما تعليل لإسناد فعل لنريه إلى فاعله وإما تعليل لتعليقه بمفعوله، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها. والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبيء صلى الله عليه وسلم أوقع، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم. وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا يطيقها مثله. على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل قصرا مؤكدا، وهو قصر موصوف على صفة قصرا إضافيا للقلب، أي هو المدرك لما سمعه وأبصره لا الكاذب ولا المتوهم كما زعم المشركون. وهذا القصر يؤيد عود الضمير إلى النبيء صلى الله عليه وسلم لأنه المناسب للرد. ولا ينازع المشركون في أن الله سميع وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المسمع والمبصر لرسوله الذي كذبتموه، فيؤول إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم.