البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الإسراء › [سورة الإسراء (17) : آية

ولقب بالمسجد لأن إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه ربنا ليقيموا الصلاة [إبراهيم: 37] . ولما انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفه بالمسجد الحرام فصاروا يقولون: البيت الحرام. وأما قول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام. فغلب عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علما بالغلبة في اصطلاح القرآن. ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم، ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بني إسرائيل. وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام في [البقرة: 144] ، وعند قوله تعالى: أن صدوكم عن المسجد الحرام في أول العقود [المائدة: 2] . وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معرف باللام. فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعق، فحصل التعريف بمجموعهما، ولم يعد النحاة هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة. ولعلهم اعتبروه راجعا إلى المعرف باللام. ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين. والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيت المقدس الكائن بإيلياء، وهو المسجد الذي بناه سليمان- عليه الصلاة والسلام-. والأقصى، أي الأبعد. والمراد بعده عن مكة، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقا للعادة لكونه قطع مسافة طويلة في بعض ليلة. وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علما بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علما بالغلبة على مسجد مكة. وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء. ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذ.

التحرير والتنوير · الجزء ١٥ · ص ١٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٥/١٤)