البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النحل › [سورة النحل (16) : آية

أمرهم أن يعظموا يوم الجمعة فأبوا، وطلبوا أن يكون السبت هو المفضل من الأسبوع بعلة أن الله قضى خلق السماوات والأرضين قبل يوم السبت، ولم يكن في يوم السبت خلق، فعاقبهم الله بالتشديد عليهم في حرمة السبت. كذا نقل عن ابن عباس. وهو لا يصح عنه، وكيف وقد قال الله تعالى: وقلنا لهم لا تعدوا في السبت [سورة النساء: 154] . وكيف يستقيم أن يعدل موسى- عليه السلام- عن اليوم الذي أمر الله بتعظيمه إلى يوم آخر لشهوة قومه وقد عرف بالصلابة في الدين. من المفسرين من زعم أن التوراة أمرتهم بيوم غير معين فعينوه السبت. وهذا لا يستقيم لأن موسى- عليه السلام- عاش بينهم ثمانين سنة فكيف يصح أن يكونوا فعلوا ذلك لسوء فهمهم في التوراة. ولعلك تلوح لك حيرة المفسرين في التئام معاني هذه الآية. وإنما للحصر وهو قصر قلب مقصود به الرد على اليهود بالاستدلال عليهم بأنهم ليسوا على ملة إبراهيم، لأن السبت جعله الله لهم شرعا جديدا بصريح كتابهم إذ لم يكن عليه سلفهم. وتركيب الاستدلال: إن حرمة السبت لم تكن من ملة إبراهيم فأصحاب تلك الحرمة ليسوا على ملة إبراهيم. ومعنى جعل السبت أنه جعل يوما معظما لا عمل فيه، أي جعل الله السبت معظما، فحذف المفعول الثاني لفعل الجعل لأنه نزل منزلة اللازم إيجازا ليشمل كل أحوال السبت المحكية في قوله تعالى: وقلنا لهم لا تعدوا في السبت [سورة النساء: 154] وقوله: إذ يعدون في السبت [سورة الأعراف: 163] . وضمن فعل جعل معنى فرض فعدي بحرف على. وقد ادخر الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الوارث لأصول إبراهيم، فجعل لليهود والنصارى دينا مخالفا لملة إبراهيم، ونصب على ذلك شعارا وهو اليوم الذي يعرف به أصل ذلك الدين وتغيير ذلك اليوم عند بعثة المسيح- عليه السلام- إشارة إلى ذلك، لئلا يكون يوم السبت مسترسلا

التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · ص ٣٢٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٣٢٤)