البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النحل › [سورة النحل (16) : آية

فأظهره بالقول لكنه لم يتغير اعتقاده. وهذا فريق رخص الله لهم ذلك كما سيأتي. ومصحح الاستثناء هو أن الذي قال قول الكفار قد كفر بلفظه. والاستدراك بقوله: ولكن من شرح بالكفر صدرا استدراك على الاستثناء، وهو احتراس من أن يفهم من الاستثناء أن المكره مرخص له أن ينسلخ عن الإيمان من قلبه. ومن شرح معطوف ب لكن على من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، لأنه في معنى المنفي لوقوعه عقب الاستثناء من المثبت، فحرف لكن عاطف ولا عبرة بوجود الواو على التحقيق. واختير فعليهم غضب دون نحو: فقد غضب الله عليهم، لما تدل عليه الجملة الاسمية من الدوام والثبات، أي غضب لا مغفرة معه. وتقديم الخبر المجرور على المبتدأ للاهتمام بأمرهم، فقدم ما يدل عليهم، ولتصحيح الإتيان بالمبتدأ نكرة حين قصد بالتنكير التعظيم، أي غضب عظيم، فاكتفى بالتنكير عن الصفة. وأما تقديم لهم على عذاب عظيم فللاهتمام. والإكراه: الإلجاء إلى فعل ما يكره فعله. وإنما يكون ذلك بفعل شيء تضيق عن تحمله طاقة الإنسان من إيلام بالغ أو سجن أو قيد أو نحوه. وقد رخصت هذه الآية للمكره على إظهار الكفر أن يظهره بشيء من مظاهره التي يطلق عليها أنها كفر في عرف الناس من قول أو فعل. وقد أجمع علماء الإسلام على الأخذ بذلك في أقوال الكفر، فقالوا: فمن أكره على الكفر غير جارية عليه أحكام الكفر، لأن الإكراه قرينة على أن كفره تقية ومصانعة بعد أن كان مسلما. وقد رخص الله ذلك رفقا بعباده واعتبارا للأشياء بغاياتها ومقاصدها.

التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · ص ٢٩٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٩٤)