البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النحل › [سورة النحل (16) : آية

بمكاره مخالفة الطباع، لأن الآخرة دار الحقائق لا لبس فيها، فيومئذ تعلمون أن الإسلام هو الخير المحض وأن الكفر شر محض. وأكد هذا الوعد بمؤكدين: القسم الذي دلت عليه اللام ونون التوكيد. ثم يظهر ذلك أيضا في ترتب آثاره إذ يكون النعيم إثر الإيمان ويكون العذاب إثر الشرك، وكل ذلك بيان لما كانوا مختلفين فيه في الدنيا. [93] 93] ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) لما أحال البيان إلى يوم القيامة زادهم إعلاما بحكمة هذا التأخير فأعلمهم أنه قادر على أن يبين لهم الحق من هذه الدار فيجعلهم أمة واحدة. ولكنه أضل من شاء، أي خلق فيه داعية الضلال، وهدى من شاء، أي خلق فيه داعية الهدى. وأحال الأمر هنا على المشيئة إجمالا، لتعذر نشر مطاوي الحكمة من ذلك. ومرجعها إلى مشيئة الله تعالى أن يخلق الناس على هذا الاختلاف الناشئ عن اختلاف أحوال التفكير ومراتب المدارك والعقول، وذلك يتولد من تطورات عظيمة تعرض للإنسان في تناسله وحضارته وغير ذلك مما أجمله قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون [سورة الانشقاق: 25] . وهذه المشيئة لا يطلع على كنهها إلا الله تعالى وتظهر آثارها في فرقة المهتدين وفرقة الضالين. ولما كان قوله: ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء قد يغتر به قصار الأنظار فيحسبون أن الضالين والمهتدين سواء عند الله وأن الضالين معذورون في ضلالهم إذ كان من أثر مشيئة الله فعقب ذلك بقوله:

التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · ص ٢٦٧

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٢٦٧)