البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النحل › [سورة النحل (16) : آية

ومفعول يعلمون محذوف لظهوره، وهو ضمير (ما) ، أي لا يعلمونه. ومثل حذف هذا الضمير كثير في الكلام. وما صدق صلة لما لا يعلمون هو الأصنام، وإنما عبر عنها بهذه الصلة زيادة في تفظيع سخافة آرائهم، إذ يفرضون في أموالهم عطاء يعطونه لأشياء لا يعلمون حقائقها بله مبلغ ما ينالهم منها، وتخيلات يتخيلونها ليست من الوجود ولا من الإدراك ولا من الصلاحية للانتفاع في شيء، كما قال تعالى: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس . وضمير تعلمون [سورة الحجر: 55] عائد إلى معاد ضمير يجعلون. ووصف النصيب بأنه مما رزقناهم لتشنيع ظلمهم إذ تركوا المنعم فلم يتقربوا إليه بما يرضيه في أموالهم مما أمرهم بالإنفاق فيه كإعطاء المحتاج، وأنفقوا ذلك في التقرب إلى أشياء موهومة لم ترزقهم شيئا. ثم وجه الخطاب إليهم على طريقة الالتفات لقصد التهديد. ولا مانع من الالتفات هنا لعدم وجود فاء التفريع كما في قوله تعالى: فتمتعوا [سورة النحل: 55] . وتصدير جملة التهديد والوعيد بالقسم لتحقيقه، إذ السؤال الموعود به يكون يوم البعث وهم ينكرونه فناسب أن يؤكد. والقسم بالتاء يختص بما يكون المقسم عليه أمرا عجيبا ومستغربا، كما تقدم في قوله تعالى: قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض في سورة يوسف [73] . وسيأتي في قوله تعالى: وتالله لأكيدن أصنامكم في سورة الأنبياء [57] . فالإتيان في القسم هنا بحرف التاء مؤذن بأنهم يسألون سؤالا عجيبا بمقدار غرابة الجرم المسئول عنه. والسؤال كناية عما يترتب عليه من العقاب، لأن عقاب العادل يكون في العرف عقب سؤال المجرم عما اقترفه إذ لعل له ما يدفع به عن نفسه،

التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · ص ١٨١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٨١)