البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النحل › [سورة النحل (16) : آية

وآمنوا، ومنهم أقوام تمكنت منهم الضلالة فهلكوا. ومن سار في الأرض رأى دلائل استئصالهم. وأن تفسيرية لجملة بعثنا لأن البعث يتضمن معنى القول، إذ هو بعث للتبليغ. والطاغوت: جنس ما يعبد من دون الله من الأصنام. وقد يذكرونه بصيغة الجمع، فيقال: الطواغيت، وهي الأصنام. وتقدم عند قوله تعالى: يؤمنون بالجبت والطاغوت في سورة النساء [51] . وأسندت هداية بعضهم إلى الله مع أنه أمر جميعهم بالهدى تنبيها للمشركين على إزالة شبهتهم في قولهم: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء [سورة النحل: 35] بأن الله بين لهم الهدى، فاهتداء المهتدين بسبب بيانه، فهو الهادي لهم. والتعبير في جانب الضلالة بلفظ «حقت عليهم» دون إسناد الإضلال إلى الله إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة فقد كان تصميمهم عليها إبقاء لضلالتهم السابقة «فحقت عليهم الضلالة» ، أي ثبتت ولم ترتفع. وفي ذلك إيماء إلى أن بقاء الضلالة من كسب أنفسهم ولكن ورد في آيات أخرى أن الله يضل الضالين، كما في قوله: ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا [سورة الأنعام: 125] ، وقوله عقب هذا فإن الله لا يهدي من يضل [سورة النحل: 37] على قراءة الجمهور، ليحصل من مجموع ذلك علم بأن الله كون أسبابا عديدة بعضها جاء من توالد العقول والأمزجة واقتباس بعضها من بعض، وبعضها تابع للدعوات الضالة بحيث تهيأت من اجتماع أمور شتى لا يحصيها إلا الله، أسباب تامة تحول بين الضال وبين الهدى. فلا جرم كانت تلك الأسباب هي سبب حق الضلالة عليهم، فباعتبار الأسباب المباشرة كان ضلالهم من حالات أنفسهم، وباعتبار الأسباب العالية المتوالدة كان ضلالهم من لدن خالق تلك الأسباب وخالق نواميسها في متقادم العصور. فافهم.

التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · ص ١٥٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/١٥٠)