البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الحجر › [سورة الحجر (15) : الآيات 88 إلى

ولما كان هذا النهي يتضمن شدة قلب وغلظة لا جرم اعترضه بالأمر بالرفق للمؤمنين بقوله واخفض جناحك للمؤمنين. وهو اعتراض مراد منه الاحتراس. وهذا كقوله: أشداء على الكفار رحماء بينهم [سورة الفتح: 29] . وخفض الجناح تمثيل للرفق والتواضع بحال الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع حفض جناحه يريد الدنو، وكذلك يصنع إذا لاعب أنثاه فهو راكن إلى المسالمة والرفق، أو الذي يتهيأ لحضن فراخه. وفي ضمن هذه التمثيلية استعارة مكنية، والجناح تخييل. وقد بسطناه في سورة الإسراء في قوله: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة [سورة الإسراء: 24] وقد شاعت هذه التمثيلية حتى صارت كالمثل في التواضع واللين في المعاملة. وضد ذلك رفع الجناح تمثيل للجفاء والشدة. ومن شعر العلامة الزمخشري يخاطب من كان متواضعا فظهر منه تكبر (ذكره في سورة الشعراء) : وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعة أجدلا وفي هذه الآية تمهيد لما يجيء بعدها من قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [سورة الحجر: 94] . وجملة وقل إني أنا النذير المبين عطف على جملة ولا تحزن عليهم. فالمقول لهم هذا القول هم المتحدث عنهم بالضمائر السابقة في قوله تعالى: منهم وقوله: عليهم. فالتقدير: وقل لهم لأن هذا القول مراد منه المتاركة، أي ما علي إلا إنذاركم، والقرينة هي ذكر النذارة دون البشارة لأن النذارة تناسب المكذبين إذ النذارة هي الإعلام بحدث فيه ضر. والنذير: فعيل بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعنى المحكم، وضرب وجيع، أي موجع. والقصر المستفاد من ضمير الفصل ومن تعريف الجزءين قصر قلب، أي لست كما تحسبون أنكم تغيظونني بعدم إيمانكم فإني نذير مبين غير متقايض معكم لتحصيل إيمانكم.

التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · ص ٨٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٤/٨٣)