سورة هود › سورة هود (11) : الآيات 118 إلى 119
لما خلقهم على جبلة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريدا لمقتضى تلك الجبلة وعالما به كما بيناه آنفا كان الاختلاف علة غائية لخلقهم، والعلة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي أنها غاية الفعل، وقد تكون معها غايات كثيرة أخرى فلا ينافي ما هنا قوله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] لأن القصر هنالك إضافي، أي إلا بحالة أن يعبدوني لا يشركوا، والقصر الإضافي لا ينافي وجود أحوال أخرى غير ما قصد الرد عليه بالقصر كما هو بين لمن مارس أساليب البلاغة العربية. وتقديم المعمول على عامله في قوله: ولذلك خلقهم ليس للقصر بل للاهتمام بهذه العلة، وبهذا يندفع ما يوجب الحيرة في التفسير في الجمع بين الآيتين. ثم أعقب ذلك بقوله: وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين لأن قوله: إلا من رحم ربك يوذن بأن المستثنى منه قوم مختلفون اختلافا لا رحمة لهم فيه، فهو اختلاف مضاد للرحمة، وضد النعمة النقمة فهو اختلاف أوجب الانتقام. وتمام كلمة الرب مجاز في الصدق والتحقق، كما تقدم عند قوله تعالى: وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا في سورة الأنعام [115] ، فالمختلفون هم نصيب جهنم. والكلمة هنا بمعنى الكلام. فكلمة الله: تقديره وإرادته. أطلق عليها كلمة مجازا لأنها سبب في صدور كلمة (كن) وهي أمر التكوين. وتقدم تفصيله في قوله تعالى: وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا في سورة الأنعام [115] . وجملة لأملأن جهنم تفسير للكلمة بمعنى الكلام. وذلك تعبير عن الإرادة المعبر عنها بالكلام النفسي.