البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة هود › سورة هود (11) : الآيات 84 إلى 86

يلابسه القسط، أي العدل تعليلا للأمر به، لأن العدل معروف حسن، وتنبيها على أن ضده ظلم وجور وهو قبيح منكر. والقسط تقدم في قوله تعالى: قائما بالقسط في آل عمران [18] . والبخس: النقص. وتقدم في قصته في سورة الأعراف مفسرا. وذكر ذلك بعد النهي عن نقص المكيال والميزان تذييل بالتعميم بعد تخصيص. لأن التطفيف من بخس الناس في أشيائهم، وتعدية تبخسوا إلى مفعولين باعتباره ضد أعطى فهو من باب كسا. والعثي- بالياء- من باب سعى ورمى ورضي، وبالواو كدعا، هو: الفساد. ولذلك فقوله مفسدين حال مؤكدة لعاملها مثل التوكيد اللفظي مبالغة في النهي عن الفساد. والمراد: النهي عن الفساد كله، كما يدل عليه قوله: في الأرض المقصود منه تعميم أماكن الفساد. والفساد تقدم في قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض في أول سورة البقرة [11] . وقد حصل النهي عن الأعم بعد النهي عن العام، وبه حصلت خمسة مؤكدات: بالأمر بعد النهي عن الفساد الخاص، ثم بالتعميم بعد التخصيص، ثم بزيادة التعميم، ثم بتأكيد التعميم الأعم بتعميم المكان، ثم بتأكيده بالمؤكد اللفظي. وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج فابتدأه بنهيهم عن نوح من الفساد فاش فيهم وهو التطفيف. ثم ارتقى فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس. ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كله. وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال.

التحرير والتنوير · الجزء ١٢ · ص ١٣٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٣٨)