البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة هود › سورة هود (11) : الآيات 53 الى 56

قوله: فكيدوني جميعا. ولما كانت البراءة من الشركاء تقتضي اعتقاد عجزها عن إلحاق إضرار به فرع على البراءة جملة فكيدوني جميعا. وجعل الخطاب لقومه لئلا يكون خطابه لما لا يعقل ولا يسمع، فأمر قومه بأن يكيدوه. وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراة لاعتقادهم واستقصاء لتعجيزهم، أي أنتم وأصنامكم، كما دل عليه التفريع على البراءة من أصنامهم. والأمر ب (كيدوني) مستعمل في الإباحة كناية عن التعجيز بالنسبة للأصنام وبالنسبة لقومه، كقوله تعالى: فإن كان لكم كيد فكيدون [المرسلات: 39] . وهذا إبطال لقولهم: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. وثم للتراخي الرتبي تحداهم بأن يكيدوه ثم ارتقى في رتبة التعجيز والاحتقار فنهاهم عن التأخير بكيدهم إياه، وذلك نهاية الاستخفاف بأصنامهم وبهم وكناية عن كونهم لا يصلون إلى ذلك. وجملة إني توكلت تعليل لمضمون فكيدوني وهو التعجيز والاحتقار. يعني: أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله، فهذا معنى ديني قديم. وأجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالا على صحة التوكل عليه في دفع ضرهم عنه، لأنه مالكهم جميعا يدفع ظلم بعضهم بعضا. وجملة ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها في محل صفة لاسم الجلالة، أو حال منه، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية. والأخذ: الإمساك. والناصية: ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس. والأخذ بالناصية هنا تمثيل للتمكن، تشبيها بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد آخذه فلا يستطيع انفلاتا. وإنما كان تمثيلا لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم ما من دابة، ولكنه لما صار مثلا

التحرير والتنوير · الجزء ١٢ · ص ١٠٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٢/١٠٠)