البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

الرابع

وقوله: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [الأنفال: 46] وقوله: وأمرهم شورى بينهم [الشورى: 38] . القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم قال: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [يوسف: 3] أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] وللتحذير من مساويهم قال: وتبين لكم كيف فعلنا بهم [إبراهيم: 45] وفي خلالها تعليم، وكنا أشرنا إليها في المقدمة الثانية. التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار وكان ذلك مبلغ علم مخالطي العرب من أهل الكتاب. وقد زاد القرآن على ذلك تعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال في أفانين مجادلاته للضالين وفي دعوته إلى النظر، ثم نوه بشأن الحكمة فقال: يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269] وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم، وقد لحق به التنبيه المتكرر على فائدة العلم، وذلك شيء لم يطرق أسماع العرب من قبل، إنما قصارى علومهم أمور تجريبية، وكان حكماؤهم أفرادا اختصوا بفرط ذكاء تضم إليه تجربة وهم العرفاء فجاء القرآن بقوله: وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: 9] وقال: ن والقلم [القلم: 1] فنبه إلى مزية الكتابة. المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير، وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين، وهذا باب الترغيب والترهيب. الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي، والقرآن جمع كونه معجزة بلفظه ومتحدى لأجله بمعناه والتحدي وقع فيه: قل فأتوا بسورة مثله [يونس: 38] ولمعرفة أسباب النزول مدخل في ظهور مقتضى الحال ووضوحه. هذا ما بلغ إليه استقرائي وللغزالي في «إحياء علوم» الدين بعض من ذلك. فغرض المفسر بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان يحتمله المعنى ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، أو يخدم المقصد تفصيلا وتفريعا كما أشرنا إليه في المقدمة مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء، أو لتوقع مكابرة من معاند أو جاهل، فلا جرم كان رائد

التحرير والتنوير · الجزء ١ · ص ٤١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٤١)