سورة يونس › [سورة يونس (10) : آية
ولا هم يحزنون. فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع لأن دفع هذا الحزن يتفرع على ذلك النفي ولكن عدل إلى العطف بالواو ليعطي مضمون الجملة المعطوفة استقلالا بالقصد إليه فيكون ابتداء كلام مع عدم فوات معنى التفريع لظهوره من السياق. والحزن المنهي عن تطرقه هو الحزن الناشئ عن أذى المشركين محمدا صلى الله عليه وسلم بأقوالهم البذيئة وتهديداتهم. ووجه الاقتصار على دحضه أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يكن يلقى من المشركين محزنا إلا أذى القول البذيء. وصيغة لا يحزنك قولهم خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم. وظاهر صيغته أنه نهي عن أن يحزن النبيء صلى الله عليه وسلم كلام المشركين، مع أن شأن النهي أن يتوجه الخطاب به إلى من فعل الفعل المنهي عنه، ولكن المقصود من مثل هذا التركيب نهي النبيء- عليه الصلاة والسلام- عن أن يتأثر بما شأنه أن يحزن الناس من أقوالهم، فلما وجه الخطاب إليه بالنهي عن عمل هو من عمل غيره تعين أن المراد بذلك الكناية عن نهيه هو عن حصول ذلك الحزن في نفسه بأن يصرف عن نفسه أسبابه وملزوماته فيؤول إلى معنى لا تترك أقوالهم تحزنك، وهذا كما يقولون: لا أرينك تفعل كذا، ولا أعرفنك تفعل كذا، فالمتكلم ينهى المخاطب عن أن يراه المتكلم فاعلا كذا. والمراد نهيه عن فعل ذلك حتى لا يراه المتكلم فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. والمعنى: لا تفعلن كذا فأراك تفعله. ومعنى لا يحزنك قولهم لا تحزن لقولهم فيحزنك. ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبيء هي أقوال التكذيب والاستهزاء، فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم. وجملة: إن العزة لله جميعا تعليل لدفع الحزن عنه، ولذلك فصلت عن جملة النهي كأن النبيء يقول: كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعة، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك. وهي أيضا في محل استئناف بياني. وكل جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضا استئنافا بيانيا، فالاستئناف البياني أعم من التعليل.