البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة يونس › [سورة يونس (10) : آية

أو لأن أقاربهم من المشركين تسلطوا على أموالهم ومنعوهم حقوقهم إلجاء لهم إلى العود إلى الكفر. وقد وصف الله المشركين بالثروة في آيات كثيرة كقوله: وذرني والمكذبين أولي النعمة [المزمل: 11] وقال: أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين [القلم: 14، 15] وقال: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل [آل عمران: 196، 197] ، فلعل المشركين كانوا يحتقرون المسلمين كما حكي عن قوم نوح قولهم: وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا [هود: 27] . وقد قال الله للنبيء صلى الله عليه وسلم: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى قوله: أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 52، 53] حين قال له المشركون: لو طردت هؤلاء العبيد من مجلسك لجلسنا إليك، فكمدهم الله بأن المسلمين خير منهم لأنهم كملت عقولهم بالعقائد الصحيحة والآداب الجليلة. وهذا الوجه هو المناسب للإتيان بالمضارع في قوله: يجمعون المقتضي تجدد الجمع وتكرره، وذلك يقتضي عنايتهم بجمع الأموال ولم يكن المسلمون بتلك الحالة. والمعنى أن ذلك خير مما يجمعه المشركون مع اتصافهم بالشرك لأنهم وإن حصلوا ما به بعض الراحة في الدنيا فهم شرار النفوس خساس المدارك. وقرأ الجمهور يجمعون- بياء الغيبة- فالضمير عائد على معلوم من الكلام، أي مما يجمع المشركون من الأموال. وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب مما تجمعون- بتاء الخطاب- فيكون خطابا للمشركين الذين شملهم الخطاب في أول الآية بقوله: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم [يونس: 57] ، فإنه بعد أن عمم الخطاب خص المؤمنين بالذكر وبالجدارة بالفرح، فبقي الخطاب لمن عدا المسلمين وهم المشركون إذ ليس ثم غير هذين الفريقين من الناس هنالك. ولا يناسب جعل الخطاب للمسلمين إذ ليس ذلك من شأنهم كما تقدم آنفا، ولأنه لا يظهر منه معنى التفضيل إلا بالاعتبار لأن المسلمين قد نالوا الفضل والرحمة فإذا نالوا معهما المال لم ينقص ذلك من كمالهم بالفضل والرحمة. وقد أجملت الآية وجه تفضيل هذا الفضل والرحمة على ما يجمعونه لقصد إعمال النظر في وجوه تفضيله، فإنها كثيرة، منها واضح وخفي. وينبئ بوجه تفضيله في

التحرير والتنوير · الجزء ١١ · ص ٢٠٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٢٠٦)