البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › سورة التوبة (9) : الآيات 128 إلى 129

(الرءوف) : الشديد الرأفة. والرحيم: الشديد الرحمة، لأنهما صيغتا مبالغة، وهما يتنازعان المجرور المتعلق بهما وهو بالمؤمنين. والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرءوف به. يقال: رؤوف رحيم. والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق، ولذلك جمع بينهما هنا ولوازمهما مختلفة. وتقدمت الرأفة عند قوله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم في سورة البقرة [143] والرحمة في سورة الفاتحة [3] . وتقديم المتعلق على عامليه المتنازعينه في قوله: بالمؤمنين رؤف رحيم للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم. وأما رحمته بهم. وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم. والفاء في قوله: فإن تولوا للتفريع على إرسال النبيء صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه منهم، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا فإن الله حسيبه وكافيه. وقد دل الشرط على مقابله لأن فإن تولوا يدل على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان. وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطبوا هم به اعتمادا على قرينة حرف التفريع فقيل له: فإن تولوا فقل حسبي الله . والتقدير: فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله. فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم. والتولي: الإعراض والإدبار: وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد.

التحرير والتنوير · الجزء ١١ · ص ٧٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٧٣)