البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › [سورة التوبة (9) : آية

والرغبة تعدى بحرف (في) فتفيد معنى مودة تحصيل الشيء والحرص فيه، وتعدي بحرف (عن) فتفيد معنى المجافاة للشيء، كما تقدم في قوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم [البقرة: 130] وهي هنا معداة ب (عن) . أريد برغبتهم عن نفسه محبتهم أنفسهم وحرصهم على سلامتها دون الحرص على سلامة نفس الرسول، فكأنهم رغبوا عن نفسه إذ لم يخرجوا معه ملابسين لأنفسهم، أي محتفظين بها لأنهم بمقدار من يتخلف منهم يزداد تعرض نفس الرسول من التلف قربا، فتخلف واحد منهم عن الخروج معه عون على تقريب نفس الرسول عليه الصلاة والسلام من التلف فلذلك استعير لهذا التخلف لفظ الرغبة عنه. والباء في قوله: بأنفسهم للملابسة وهي في موضع الحال. نزل الضن بالأنفس والحذر من هلاكها بالتلبس بها في شدة التمكن فاستعمل له حرف باء الملابسة. وهذه ملابسة خاصة وإن كانت النفوس في كل حال متلبسا بها. وهذا تركيب بديع الإيجاز بالغ الإعجاز. قال في «الكشاف» : «أمروا أن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له» اه. وهذا نهي بليغ وتوبيخ لهم وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية. والإشارة ب ذلك إلى نفي كون التخلف عن الرسول ثابتا لهم، أي أن ما ينالونه من فضل وثواب وأجر عظيم يقضي بأنه ما يكون لهم أن يتخلفوا عن رسول الله. والباء في بأنهم للسببية. والظمأ: العطش، والنصب: التعب، والمخمصة: الجوع. وتقدم في قوله: فمن اضطر في مخمصة في سورة العقود [3] . والوطء: الدوس بالأرجل. والموطئ: مصدر ميمي للوطء. والوطء في سبيل الله هو الدوس بحوافر الخيل وأخفاف الإبل وأرجل الغزاة في أرض العدو، فإنه الذي يغيظ العدو ويغضبه لأنه يأنف من وطء أرضه بالجيش، ويجوز أن يكون الوطء هنا مستعارا لإذلال العدو وغلبته وإبادته، كقول الحارث بن وعلة الذهلي من شعراء الحماسة:

التحرير والتنوير · الجزء ١١ · ص ٥٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١١/٥٦)