سورة الأنفال» › [سورة التوبة (9) : آية
فالجهاد المأمور للفريقين مختلف، ولفظ (الجهاد) مستعمل في حقيقته ومجازه. وفائدة القرن بين الكفار والمنافقين في الجهاد: إلقاء الرعب في قلوبهم، فإن كل واحد منهم يخشى أن يظهر أمره فيعامل معاملة الكفار المحاربين فيكون ذلك خاضدا شوكتهم. وأما جهادهم بالفعل فمتعذر، لأنهم غير مظهرين الكفر، ولذلك تأول أكثر المفسرين الجهاد بالنسبة إلى المنافقين بالمقاومة بالحجة وإقامة الحدود عند ظهور ما يقتضيها، وكان غالب من أقيم عليه الحد في عهد النبوءة من المنافقين. وقال بعض السلف جهادهم ينتهي إلى الكشر في وجوههم. وحملها الزجاج والطبري على ظاهر الأمر بالجهاد، ونسبه الطبري إلى عبد الله بن مسعود، ولكنهما لم يأتيا بمقنع من تحقيق المعنى. وهذه الآية إيذان للمنافقين بأن النفاق يوجب جهادهم قطعا لشأفتهم من بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويعرفهم لحذيفة بن اليمان، وكان المسلمون يعرفون منهم من تكررت بوادر أحواله، وفلتات مقاله. وإنما كان النبيء ممسكا عن قتلهم سدا لذريعة دخول الشك في الأمان على الداخلين في الإسلام كما قال لعمر: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» لأن العامة والغائبين عن المدينة لا يبلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق الأمور الجارية بالمدينة، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوهوا الأعمال النافعة بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة، فلما كثر الداخلون في الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شك معه في وفاء المسلمين، وشاع من أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعته القبائل وتحققه المسلم والكافر، تمحضت المصلحة في استئصال شأفتهم، وانتفت ذريعة تطرق الشك في أمان المسلمين، وعلم الله أن أجل رسوله عليه الصلاة والسلام قد اقترب، وأنه إن بقيت بعده هذه الفئة ذات الفتنة تفاقم أمرها وعسر تداركها، واقتدى بها كل من في قلبه مرض، لا جرم آذنهم بحرب ليرتدعوا ويقلعوا عن النفاق. والذي يوجب قتالهم أنهم صرحوا بكلمات الكفر، أي صرح كل واحد بما يدل على إبطانه الكفر وسمعها الآخرون فرضوا بها، وصدرت من فريق منهم أقوال وأفعال تدل على أنهم مستخفون بالدين،