البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › [سورة التوبة (9) : آية

وليس المراد أن ذلك يوما غب يوم، فكذلك في الآية ليس المراد أن النسيء يقع عاما غب عام كما ظنه بعض المفسرين. ونظيره قول أبي الطيب: فيوما بخيل تطرد الروم عنهم ... ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا (يريد تارة تدفع عنهم العدو وتارة تدفع عنهم الفقر والجدب) وإنما يكون ذلك حين حلول العدو بهم وإصابة الفقر والجدب بلادهم، ولذلك فسره المعري في كتاب «معجز أحمد» بأن قال: «فإن قصدهم الروم طردتهم بخيلك وإن نازلهم فقر وجدب كشفته عنهم بجودك وإفضالك» . وقد أبقى الكلام مجملا لعدم تعلق الغرض في هذا المقام ببيان كيفية عمل النسيء، ولعل لهم فيه كيفيات مختلفة هي معروفة عند السامعين. ومحل الذم هو ما يحصل في عمل النسيء من تغيير أوقات الحج المعينة من الله في غير أيامها في سنين كثيرة، ومن تغيير حرمة بعض الأشهر الحرم في سنين كثيرة ويتعلق قوله: ليواطؤا عدة ما حرم الله بقوله: يحلونه عاما ويحرمونه عاما أي يفعلون ذلك ليوافقوا عدد الأشهر الحرم فتبقى أربعة. والموطأة الموافقة، وهي مفاعلة عن الوطئ شبه التماثل في المقدار وفي الفعل بالتوافق [في] وطيء الأرجل ومن هذا قولهم (وقوع الحافر على الحافر) . وعدة ما حرم الله هي عدة الأشهر الحرم الأربعة. وظاهر هذا أنه تأويل عنهم وضرب من المعذرة، فلا يناسب عده في سياق التشنيع بعملهم والتوبيخ لهم، ولكن ذكره ليرتب عليه قوله: فيحلوا ما حرم الله فإنه يتفرع على محاولتهم موافقة عدة ما حرم الله أن يحلوا ما حرم الله، وهذا نداء على فساد دينهم واضطرابه فإنهم يحتفظون بعدد الأشهر الحرم الذي ليس له مزيد أثر في الدين، وإنما هو عدد تابع لتعيين الأشهر الحرم، ويفرطون في نفس الحرمة فيحلون الشهر الحرام، ثم يزيدون باطلا آخر فيحرمون الشهر الحلال. فقد احتفظوا بالعدد وأفسدوا المعدود.

التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · ص ١٩٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/١٩٣)