سورة الأنفال» › سورة الأنفال (8) : آية 75
حيث عبرت عن نوش بني أبيه بتمزيق أرحام. وعلم من قوله: أولى هو صيغة تفضيل أن الولاية بين ذوي الأرحام لا تعتبر إلا بالنسبة لمحل الولاية الشرعية فأولوا الأرحام أولى بالولاية ممن ثبتت لهم ولاية تامة أو ناقصة كالذين آمنوا ولم يهاجروا في ولاية النصر في الدين إذا لم يقم دونها مانع من كفر أو ترك هجرة، فالمؤمنون بعضهم لبعض أولياء ولاية الإيمان، وأولو الأرحام منهم بعضهم لبعض أولياء ولاية النسب، ولولاية الإسلام حقوق مبينة بالكتاب والسنة، ولولاية الأرحام حقوق مبينة أيضا، بحيث لا تزاحم إحدى الولايتين الأخرى، والاعتناء بهذا البيان مؤذن بما لو شائج الأرحام من الاعتبار في نظر الشريعة، فلذلك علقت أولوية الأرحام بأنها كائنة في كتاب الله أي في حكمه. وكتاب الله قضاؤه وشرعه، وهو مصدر، إما باق على معنى المصدرية، أو هو بمعنى المفعول، أي مكتوبة كقول الراعي: كان كتابها مفعولا (1) وجعل تلك الأولوية كائنة في كتاب الله كناية عن عدم تعبيره، الأنهم كانوا إذا أرادوا توكيد عهد كتبوه. قال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء فتقييد أولوية أولي الأرحام بأنها في كتاب الله للدلالة على أن ذلك حكم فطري قدره الله وأثبته بما وضع في الناس من الميل إلى قراباتهم، كما ورد في الحديث: «إن الله لما خلق الرحم أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة» الحديث. فلما كانت ولاية الأرحام أمرا مقررا في الفطرة، ولم تكن ولاية الدين معروفة في الجاهلية بين الله أن ولاية الدين لا تبطل ولاية الرحم إلا إذا تعارضتا، لأن أواصر العقيدة والرأي أقوى من أواصر الجسد، فلا يغيره ما ورد هنا من أحكام ولاية الناس بعضهم بعضا، وبذلك الاعتبار الأصلي لولاية ذوي الأرحام كانوا مقدمين على أهل الولاية، حيث تكون الولاية، وينتفي التفضيل بانتفاء أصلها، فلا ولاية لأولي الأرحام إذا كانوا غير مسلمين.