البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › سورة الأنفال (8) : الآيات 67 إلى 68

رسول الله ما قال أبو بكر فأخذ منهم الفداء كما رواه أحمد عن ابن عباس فأنزل الله ما كان لنبيء أن يكون له أسرى الآية. ومعنى قوله: هوي رسول الله ما قال أبو بكر: أن رسول الله أحب واختار ذلك لأنه من اليسر والرحمة بالمسلمين إذ كانوا في حاجة إلى المال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. وروي أن ذلك كان رغبة أكثرهم وفيه نفع للمسلمين، وهم في حاجة إلى المال. ولما استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مشورته تعين أنه لم يوح الله إليه بشيء في ذلك، وأن الله أوكل ذلك إلى اجتهاد رسوله عليه الصلاة والسلام فرأى أن يستشير الناس ثم رجح أحد الرأيين باجتهاد، وقد أصاب الاجتهاد، فإنهم قد أسلم منهم، حينئذ، سهيل بن بيضاء، وأسلم من بعد العباس وغيره، وقد خفي على النبيء صلى الله عليه وسلم شيء لم يعلمه إلا الله وهو إضمار بعضهم- بعد الرجوع إلى قومهم- أن يتأهبوا لقتال المسلمين من بعد. وربما كانوا يضمرون اللحاق بفل المشركين من موضع قريب ويعودون إلى القتال فينقلب انتصار المسلمين هزيمة كما كان يوم أحد، فلأجل هذا جاء قوله تعالى: ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. قال ابن العربي في «العارضة» : روى عبيدة السلماني عن علي أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فخيره بين أن يقرب الأسارى فيضرب أعناقهم أو يقبلوا منهم الفداء، ويقتل منكم في العام المقبل بعدتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل يخيركم أن تقدموا الأسارى وتضربوا أعناقهم أو تقبلوا منهم الفداء ويستشهد منكم في العام المقبل بعدتهم» ، فقالوا: يا رسول الله نأخذ الفداء فنقوى على عدونا ويقتل منا في العام المقبل بعدتهم، ففعلوا . والمعنى أن النبيء إذا قاتل فقتاله متمحض لغاية واحدة، هي نصر الدين ودفع عدائه، وليس قتاله للملك والسلطان فإذا كان أتباع الدين في قلة كان قتل الأسرى تقليلا لعدد أعداء الدين حتى إذا انتشر الدين وكثر أتباعه صلح الفداء لنفع أتباعه بالمال، وانتفاء خشية عود العدو إلى القوة. فهذا وجه تقييد هذا الحكم بقوله: ما كان لنبيء.

التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · ص ٧٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٧٣)