البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › [سورة الأنفال (8) : آية

فهذا الخبر كفالة للمسلمين بنصر العدد منهم على عشرة أمثاله، من عددهم وهو يستلزم وجوب ثبات العدد منهم، لعشرة أمثاله، وبذلك يفيد إطلاق الأمر بالثبات للعدو الواقع في قوله: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا [الأنفال: 45] ، وإطلاق النهي عن الفرار الواقع في قوله: فلا تولوهم الأدبار [الأنفال: 15] الآية كما تقدم. وهو من هذه الناحية التشريعية حكم شديد شاق اقتضته قلة عدد المسلمين يومئذ وكثرة عدد المشركين، ولم يصل إلينا أن المسلمين احتاجوا إلى العمل به في بعض غزواتهم، وقصارى ما علمنا أنهم ثبتوا لثلاثة أمثالهم في وقعة بدر، فقد كان المسلمون زهاء ثلاثمائة وكان المشركون زهاء الألف، ثم نزل التخفيف من بعد ذلك بالآية التالية. والتعريف بالموصول في الذين كفروا للإيماء إلى وجه بناء الخير الآتي: وهو سلب الفقاهة عنهم. والباء في قوله: بأنهم للسببية. أي بعدم فقههم. وإجراء نفي الفقاهة صفة ل قوم دون أن يجعل خبرا فيقال: ذلك بأنهم لا يفقهون، لقصد إفادة أن عدم الفقاهة صفة ثابتة لهم بما هم قوم، لئلا يتوهم أن نفي الفقاهة عنهم في خصوص هذا الشأن، وهو شأن الحرب المتحدث عنه، للفرق بين قولك: حدثت فلانا حديثا فوجدته لا يفقه، وبين قولك: فوجدته رجلا لا يفقه. والفقه فهم الأمور الخفية، والمراد نفي الفقه عنهم من جانب معرفة الله تعالى بقرينة تعليق الحكم بهم بعد إجراء صلة الكفر عليهم. وإنما جعل الله الكفر سببا في انتفاء الفقاهة عنهم: لأن الكفر من شأنه إنكار ما ليس بمحسوس فصاحبه ينشأ على إهمال النظر، وعلى تعطيل حركات فكره، فهم لا يؤمنون إلا بالأسباب الظاهرية، فيحسبون أن كثرتهم توجب لهم النصر على الأقلين لقولهم: «إنما الغرة للكاثر» ، ولأنهم لا يؤمنون بما بعد الموت من نعيم وعذاب، فهم يخشون الموت فإذا قاتلوا ما يقاتلون إلا في الحالة التي يكون نصرهم فيها أرجح، والمؤمنون يعولون على نصر الله، ويثبتون للعدو رجاء إعلاء كلمة الله، ولا يهابون الموت في سبيل الله، لأنهم موقنون بالحياة الأبدية المسرة بعد الموت.

التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · ص ٦٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٦٨)