البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنفال» › سورة الأنفال (8) : الآيات 45 إلى 46

الأمر بالطاعة لولاة الأمور: لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم، فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي. ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة بسط القرآن القول فيه ببيان سيىء آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله: فتفشلوا وتذهب ريحكم فحذرهم أمرين معلوما سوء مغبتهما: وهما الفشل وذهاب الريح. والفشل: انحطاط القوة وقد تقدم آنفا عند قوله: ولو أراكهم كثيرا لفشلتم [الأنفال: 43] وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ومدافعة العدو، ويصح أن يكون تمثيلا لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه، في انعدام إقدامه على العمل. وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم الاشتغال باتقاء بعضهم بعضا، وتوقع عدم إلفاء النصير عند مآزق القتال، فيصرف الأمة عن التوجه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم، فيتمكن منهم العدو، كما قال في سورة آل عمران [152] حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم. والريح حقيقتها تحرك الهواء وتموجه، واستعيرت هنا للغلبة، وأحسب أن وجه الشبه في هذه الاستعارة هو أن الريح لا يمانع جريها ولا عملها شيء فشبه بها الغلب والحكم وأنشد ابن عطية، لعبيد بن الأبرص: كما حميناك يوم النعب من شطب ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد وفي «الكشاف» قال سليك بن السلكة: يا صاحبي ألا لا حي بالوادي ... إلا عبيد قعود بين أذواد هل تنظران قليلا ريث غفلتهم ... أو تعدوان فإن الريح للعادي (1) وقال الحريري، في ديباجة «المقامات» : «قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه» .

التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · ص ٣١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٠/٣١)