البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأعراف › سورة الأعراف (7) : آية 188

معرفة الغيب هو الإسراع إلى الخيرات المستقبلة بتهيئة أسبابها وتقريبها، وإلى التجنب لمواقع الأضرار، فنفي أن يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، يعم سائر أنواع الملك وسائر أنواع النفع والضر، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من الغيب. والاستثناء من مجموع النفع والضر، والأولى جعله متصلا، أي إلا ما شاء الله أن يملكنيه بأن يعلمنيه ويقدرني عليه، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع، ومن أسباب اتقاء الضر، وحمله على الاتصال يناسب ثبوت قدرة للعبد بجعل الله تعالى وهي المسماة بالكسب، فإذا أراد الله أن يوجه نفس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معرفة شيء مغيب أطلعه عليه لمصلحة الأمة أو لإكرام الأمة له كقوله تعالى: إذ يريكهم الله في منامك- إلى قوله: ليقضي الله أمرا كان مفعولا [الأنفال: 44] . وقوله: ولو كنت أعلم الغيب إلخ تكملة للتبرؤ من معرفة الغيب، سواء منه ما كان يخص نفسه وما كان من شؤون غيره. فحصل من مجموع الجملتين أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، في عالم الشهادة وفي عالم الغيب، وأنه لا يعلم شيئا من الغيب، مما فيه نفعه وضره وما عداه. والاستدلال على انتفاء علمه بالغيب بانتفاء الاستكثار من الخير، وتجنب السوء، استدلال بأخص ما لو علم المرء الغيب لعلمه، أول ما يعلم وهو الغيب الذي يهم نفسه، ولأن الله لو أراد إطلاعه على الغيب لكان القصد من ذلك إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم - فيكون إطلاعه على ما فيه راحته أول ما ينبغي إطلاعه عليه، فإذا انتفى ذلك كان انتفاء غيره أولى. ودلي التالي، في هذه القضية الشرطية، هو المشاهدة من فوات خيرات دنيوية لم يتهيأ لتحصيلها وحصول أسواء دنيوية، وفيه تعريض لهم إذ كانوا يتعرضون له السوء. وجملة: إن أنا إلا نذير وبشير من تمام القول المأمور به وهي مستأنفة ستينافا بيانيا، ناشئا عن التبرؤ من أن يملك لنفسه نفعا أو ضرا لأن السامعين يتوهمون ما نفاه عن نفسه أخص صفات النبي فمن شأنهم أن يتعجبوا من نفيه ذلك عن

التحرير والتنوير · الجزء ٩ · ص ٢٠٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٢٠٨)