سورة الأعراف › [سورة الأعراف (7) : آية
دل عليه النفي في قوله: ما بصاحبهم من جنة أي ألم يكونوا من المفكرين أهل النظر، والفعل المعلق عن العمل لا يقدر له مفعول ولا متعلق. والمقصود من تعليق الفعل هو الانتقال من علم الظان إلى تحقيق الخبر المظنون وجعله قضية مستقلة، فيصير الكلام بمنزلة خبرين خبر من جانب الظان ونحوه، وخبر من جانب المتكلم دخل في قسم الواقعات فنحو قوله تعالى: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [الأنبياء: 65] هو في قوة أن يقال: لقد علمت لا ينطقون ما هؤلاء ينطقون، أي ذلك علمك وهذا علمي، وقوله هنا: أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة في قوة: أو لم يتفكروا صاحبهم غير مجنون، ما بصاحبهم من جنة. فتعليق أفعال القلب ضرب من ضروب الإيجاز، وأحسب هذا هو الغرض من أسلوب التعليق لم ينبه عليه علماء المعاني، وأن خصائص العربية لا تنحصر. و «الصاحب» حقيقته الذي يلازم غيره في حالة من سفر أو نحوه، ومنه قوله تعالى: يا صاحبي السجن [يوسف: 41] ، وسميت الزوجة صاحبة، ويطلق مجازا على الذي له مع غيره حادث عظيم وخبر، تنزيلا لملازمة الذكر منزلة ملازمة الذات، ومنه قول أبي معبد الخزاعي لامرأته، أم معبد، لما أخبرته بدخول النبيء صلى الله عليه وسلم بيتها في طريق الهجرة ووصفت له هديه وبركته: «هذا صاحب قريش» ، وقول الحجاج في بعض خطبه لأهل العراق «ألستم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتم الكفر» يريد أنهم الذين قاتلوه بالأهواز، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم، وقول الفضل بن عباس اللهبي: كل له نية في بغض صاحبه ... بنعمة الله نقليكم وتقلونا فوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات: هو بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره، وقد تكرر ذلك في القرآن كقوله تعالى: وما صاحبكم بمجنون [التكوير: 22] . والجنة- بكسر الجيم- اسم للجنون، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مس الجن إياه في عرف الناس، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر،