البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأعراف › سورة الأعراف (7) : الآيات 155 الى 157

فالمعروف شامل لكل ما تقبله العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في سورة آل عمران [104] . ويجمعها معنى: الفطرة، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30] ، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية. والطيبات: جمع طيبة، وقد روعي في التأنيث معنى الأكيلة، أو معنى الطعمة، تنبيها على أن المراد الطيبات من المأكولات، كما دل عليه قوله في نظائرها نحو: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في البقرة [168] وقوله: يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات في سورة المائدة [4] ، وليس المراد الأفعال الحسنة لأن الأفعال عرفت بوصف المعروف والمنكر. والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبولها ومرفوضها، وإنما تمتلك الناس فيها عوائدهم، ولما كان الإسلام دين الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه، ناط حال المأكولات بالطيب وحرمتها بالخبث، فالطيب ما لا ضر فيه ولا وخامة ولا قذارة، والخبيث ما أضر، أو كان وخيم العاقبة، أو كان مستقذرا لا يقبله العقلاء، كالنجاسة، وهذا ملاك المباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلا في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وضع على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره أن يأكل منه، وقال: «ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافه» ولهذا فالوجه: أن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح، وقد يكون مكروها اعتبارا بمضرة خفيفة، فلذلك ورد النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومحمله عند مالك في أشهر الروايات عنه، على الكراهة، وهو الذي لا ينبغي التردد فيه، وأي ضر في أكل لحم الأسد، وكذلك إباحة أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، لاختلاف عوائد الناس في أكلها وعدمه، فقد كانت جرم لا يأكلون الدجاج، وفقعس يأكلون الكلب، فلا يحجر على قوم لأجل كراهية غيرهم مما كرهه ذوقه أو عادة قومه، وقد تقدم شيء من هذا في آية سورة المائدة، فعلى الفقيه أن يقصر النظر على طبائع

التحرير والتنوير · الجزء ٩ · ص ١٣٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٣٥)