البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأعراف › [سورة الأعراف (7) : آية

لغلبة الهوى على قلوبهم، وإن يدركوا الفساد عملوا به لغلبة الهوى، فالعمل به حمل للنفس على كلفة، وذلك تأباه الأنفس التي نشأت على متابعة مرغوبها، وذلك شأن الناس الذين لم يروضوا أنفسهم بالهدى الإلهي، ولا بالحكمة ونصائح الحكماء والعقلاء، بخلاف الغي، فإنه ما ظهر في العالم إلا من آثار شهوات النفوس ودعواتها التي يزين لها الظاهر العاجل، وتجهل عواقب السوء الآجلة، كما جاء في الحديث: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. والتعبير في الصلات الأربع بالأفعال المضارعة: لإفادة تجدد تلك الأفعال منهم واستمرارهم عليها. وقرأ الجمهور: الرشد- بضم فسكون- وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: بفتحتين، وهما لغتان فيه. وجملة: ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا مستأنفة استئنافا بيانيا، لأن توسيمهم بتلك الصلات يثير سؤالا. والمشار إليه بذلك ما تضمنه الكلام السابق، نزل منزلة الموجود في الخارج وهو ما تضمنه قوله: سأصرف عن آياتي إلى آخر الآية، واستعمل له اسم إشارة المفرد لتأويل المشار إليه بالمذكور كقوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما [الفرقان: 68] أي من يفعل المذكور، وهذا الاستعمال كثير في اسم الإشارة، وألحق به الضمير كما تقدم في قوله تعالى: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله في سورة البقرة [61] . والباء السببية أي: كبرهم. وعدم إيمانهم، واتباعهم سبيل الغي، وإعراضهم عن سبيل الرشد سببه تكذيبهم بالآيات، فأفادت الجملة بيان سبب الكبر، وما عطف عليه من الأوصاف التي هي سبب صرفهم عن الآيات، فكان ذلك سبب السبب، وهذا أحسن من إرجاع الإشارة إلى الصرف المأخوذة من سأصرف لأن هذا المحمل يجعل التكذيب سببا ثانيا للصرف، وجعله سببا للسبب أرشق. واجتلبت (أن) الدالة على المصدرية والتوكيد لتحقيق هذا التسبب وتأكيده، لأنه محل عرابة.

التحرير والتنوير · الجزء ٩ · ص ١٠٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٠٦)