البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأعراف › [سورة الأعراف (7) : الآيات 120 إلى

وقوله: قبل أن آذن لكم ترق في موجب التوبيخ، أي لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان، وفصلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ. والمكر تقدم عند قوله تعالى: ومكروا ومكر الله في سورة آل عمران [54] ، وتقدم آنفا عند قوله تعالى: أفأمنوا مكر الله [الأعراف: 99] . والضمير المنصوب في مكرتموه ضمير المصدر المؤكد لفعله. وفي ظرفية مجازية: جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع العنصر المفسد، أي: أردتم إضرار أهلها، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا جدوى لها إذ معلوم لكل أحد أن مكرهم وقع في تلك المدينة، وفسره في «الكشاف» بأنهم دبروه في المدينة حين كانوا بها قبل الحضور إلى الصحراء التي وقعت فيها المحاورة، وقد تبين أن المراد بالظرفية ما ذكرناه بالتعليل الذي بعدها في قوله: لتخرجوا منها أهلها والمراد- هنا- بعض أهلها، وهم بنو إسرائيل، لأن موسى جاء طلبا لإخراج بني إسرائيل كما تقدم. وقول فرعون هذا يحتمل أنه قاله موافقا لظنه على سبيل التهمة لهم لأنه لم يكن له علم بدقائق علم السحر حتى يفرق بينه وبين المعجزة الخارقة للعادة، فظن أنها مكيدة دبرها موسى مع السحرة، وأنه لكونه أعلمهم أو معلمهم أمرهم فأتمروا بأمره، كما في الآية الأخرى إنه لكبيركم الذي علمكم السحر [طه: 71] . ويحتمل أنه قاله تمويها وبهتانا ليصرف الناس عن اتباع السحرة، وعن التأثر بغلبة موسى إياهم فيدخل عليهم شكا في دلالة الغلبة واعتراف السحرة بها، وأن ذلك مواطأة بين الغالب والمغلوب لغاية مقصودة، وهو موافق في قوله هذا، لما كان أشار به. الملأ من قومه حين قالوا: يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره [الشعراء: 35] وأيا ما كان فعزمه على تعذيبهم مصير إلى الظلم والغشم لأنه ما كان يحق له أن يأخذهم بالتهمة، بله أن يعاقبهم على المصير إلى الحجة، ولكنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت. وفرع على الإنكار والتوبيخ الوعيد بقوله: فسوف تعلمون، وحذف مفعول تعلمون لقصد الإجمال في الوعيد لإدخال الرعب، ثم بينه بجملة لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. ووقوع الجمع معرفا بالإضافة يكسبه العموم فيعم

التحرير والتنوير · الجزء ٩ · ص ٥٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٥٤)