سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية
فلنحمل اسم الاستفهام هنا على معنى التنبيه والتشكيك في الظن، ونحمل فعل يشعركم على أصل مقتضى أمثاله من أفعال العلم، وإذا كان كذلك كان نفي إيمان المشركين بإتيان آية وإثباته سواء في الفرض الذي اقتضاه الاستفهام، فكان المتكلم بالخيار بين أن يقول: إنها إذا جاءت لا يؤمنون، وأن يقول: إنها إذا جاءت يؤمنون. وإنما أوثر جانب النفي للإيماء إلى أنه الطرف الراجح الذي ينبغي اعتماده في هذا الظن. هذا وجه الفرق بين التركيبين. وللفروق في علم المعاني اعتبارات لا تنحصر ولا ينبغي لصاحب علم المعاني غض النظر عنها، وكثيرا ما بين عبد القاهر أصنافا منها فليلحق هذا الفرق بأمثاله. وإن أبيت إلا قياس ما يشعركم على (ما يدريكم) سواء، كما سلكه المفسرون فاجعل الغالب في استعمال (ما يدريك) هو مقتضى الظاهر في استعمال ما يشعركم واجعل تعليق المنفي بالفعل جريا على خلاف مقتضى الظاهر لنكتة ذلك الإيماء ويسهل الخطب. وأما وجه كون الواو في قوله: وما يشعركم واو الحال فتكون «ما» نكرة موصوفة بجملة يشعركم. ومعناها شيء موصوف بأنه يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا الشيء هو ما سبق نزوله من القرآن، مثل قوله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية [يونس: 96، 97] ، وكذلك ما جربوه من تلون المشركين في التفصي من ترك دين آبائهم، فتكون الجملة حالا، أي والحال أن القرآن والاستقراء أشعركم بكذبهم فلا تطمعوا في إيمانهم لو جاءتهم آية ولا في صدق أيمانهم، قال تعالى: إنهم لا أيمان لهم [التوبة: 12] . وإني لأعجب كيف غاب عن المفسرين هذا الوجه من جعل «ما» نكرة موصوفة في حين إنهم تطرقوا إلى ما هو أغرب من ذلك.