البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية

بهؤلاء (يعني المسلمين) قد انكشفوا عنك» ، وكان أبو بكر الصديق حاضرا، فقال له أبو بكر «امصص بظر اللات» إلى آخر الخبر. ووجه النهي عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الذي يتميز به الحق عن الباطل، وينهض به المحق ولا يستطيعه المبطل، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوي بينهما. وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحق، فيلوح للناس أنه تغلب على المحق. على أن سب آلهتهم لما كان يحمي غيظهم ويزيد تصلبهم قد عاد منافيا لمراد الله من الدعوة، فقد قال لرسوله- عليه الصلاة والسلام- «وجادلهم بالتي هي أحسن» ، وقال لموسى وهارون- عليهما السلام- «فقولا له قولا لينا» ، فصار السب عائقا من المقصود من البعثة، فتمحض هذا السب للمفسدة ولم يكن مشوبا بمصلحة. وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة لأن تغيير المنكر مصلحة بالذات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض. وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفا، وتحققا واحتمالا. وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلها. وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ. قال القرطبي: قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أنه إن سب المسلمون أصنامه أو أمور شريعته أن يسب هو الإسلام أو النبيء- عليه الصلاة والسلام- أو الله عز وجل لم يحل للمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم لأنه بمنزلة البعث على المعصية اه، أي على زيادة الكفر. وليس من السب إبطال ما يخالف الإسلام من عقائدهم في مقام المجادلة ولكن السب أن نباشرهم في غير مقام المناظرة بذلك، ونظير هذا ما قاله علماؤنا فيما يصدر

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٤٣٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤٣٠)