البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › سورة الأنعام (6) : الآيات 106 إلى 107

وجملة: لا إله إلا هو معترضة، والمقصود منها إدماج التذكير بالوحدانية لزيادة تقررها وإغاظة المشركين. والمراد بالإعراض عن المشركين الإعراض عن مكابرتهم وأذاهم لا الإعراض عن دعوتهم، فإن الله لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقطع الدعوة لأي صنف من الناس، وكل آية فيها الأمر بالإعراض عن المشركين فإنما هو إعراض عن أقوالهم وأذاهم، ألا ترى كل آية من هذه الآيات قد تلتها آيات كثيرة تدعو المشركين إلى الإسلام والإقلاع عن الشرك كقوله تعالى في سورة النساء [63] : فأعرض عنهم وعظهم وقد تقدم. وقوله: ولو شاء الله ما أشركوا عطف على جملة وأعرض عن المشركين. وهذا تلطف مع الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة لما يلقاه من الكدر من استمرارهم على الشرك وقلة إغناء آيات القرآن ونذره في قلوبهم، فذكره الله بأن الله قادر على أن يحول قلوبهم فتقبل الإسلام بتكوين آخر ولكن الله أراد أن يحصل الإيمان ممن يؤمن بالأسباب المعتادة في الإرشاد والاهتداء ليميز الله الخبيث من الطيب وتظهر مراتب النفوس في ميادين التلقي، فأراد الله أن تختلف النفوس في الخير والشر اختلافا ناشئا عن اختلاف كيفيات الخلقة والخلق والنشأة والقبول، وعن مراتب اتصال العباد بخالقهم ورجائهم منه. فالمشركون بلغوا إلى حضيض الشرك بأسباب ووسائل متسلسلة مترتبة خلقية، وخلقية، واجتماعية، تهيأت في أزمنة وأحوال هيأتها لهم، فلما بعث الله إليهم المرشد كان إصغاؤهم إلى إرشاده متفاوتا على تفاوت صلابة عقولهم في الضلال وعراقتهم فيه، وعلى تفاوت إعداد نفوسهم للخير وجموحهم عنه، ولم يجعل الله إيمان الناس حاصلا بخوارق العادات ولا بتبديل خلق العقول، وهذا هو القانون في معنى مثل هذه الآية، فهذا معنى انتفاء مشيئة الله في هذا المقام المراد به تطمين قلب الرسول- عليه الصلاة والسلام- وتذكيره بحقائق الأحوال وليس في مثل هذا عذر لهم

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٤٢٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤٢٥)