البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › سورة الأنعام (6) : الآيات 106 إلى 107

الأمر والعمل بما يأمر به المتبوع فهو الائتمار، ويتعدى فعله إلى ذات المتبع فيقال: اتبعت فلانا بهذه المعاني الثلاثة وهو على حذف مضاف في جميع ذلك لأن الاتباع لا يتعلق بالذات. وإطلاق الاتباع بمعنى الائتمار شائع في القرآن لأنه جاء بالأمر والنهي وأمر الناس باتباعه، واستعمل أيضا في معنى الملازمة على سبيل المجاز المرسل، لأن من يتبع أحدا يلازمه. ومنه سمي الرئي من الجن في خرافات العرب تابعة، ومنه سمي من لازم الصحابي وروى عنه تابعيا. فيجوز أن يكون الاتباع في الآية مرادا به دوام الامتثال لما أمر به القرآن من الإعراض عن أذى المشركين وعنادهم، فالاتباع المأمور به اتباع في شيء مخصوص، وهذا مأمور به غير مرة، فالأمر بالفعل مستمر في الأمر بالدوام عليه. ويجوز أن يكون أمرا بملازمة الدعوة إلى الله والإعلان بها ودعاء المشركين إلى التوحيد والإيمان وأن لا يعتريه في ذلك لين ولا هوادة حتى لا يكون لبذاءتهم وتكذيبهم إياه تأثير على نفسه يوهن دعوتهم والحرص على إيمانهم واعتقاد أن محاولة إيمانهم لا جدوى لها. فالمراد بما أوحي إليه ما أوحي من القرآن خطابا للمشركين، أو أمرا بدعوتهم للإسلام وعدم الانقطاع عن ذلك، فيكون الكلام شدا لساعد النبيء صلى الله عليه وسلم في مقامات دعوته إلى الله، وهذا هو المناسب لقوله: لا تسبوا الذين يدعون من دون الله [الأنعام: 108] كما سنبينه. وقد تقدم شيء من هذا آنفا عند قوله تعالى: إن أتبع إلا ما يوحى إلي [الأنعام: 50] . وليس المراد من الأمر بالاتباع الأمر باتباع أوامر القرآن ونواهيه مطلقا، لأنه لا مناسبة له بهذا السياق، وفي الإتيان بلفظ: ربك دون اسم الجلالة تأنيس للرسول صلى الله عليه وسلم وتلطف معه.

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٤٢٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤٢٤)