سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية
لعظمته تعالى، فإن عدم إحاطة الأبصار بالشيء يكون من عظمته فلا تطيقه الأبصار، فعموم النكرة في سياق النفي يدل على انتفاء أن يدركه شيء من أبصار المبصرين في الدنيا كما هو السياق. ولا دلالة في هذه الآية على انتفاء أن يكون الله يرى في الآخرة، كما تمسك به نفاة الرؤية، وهم المعتزلة لأن للأمور الآخرة أحوالا لا تجري على متعارفنا، وأحرى أن لا دلالة فيها على جواز رؤيته تعالى في الآخرة. ومن حاول ذلك فقد تكلف ما لا يتم كما صنع الفخر في «تفسيره» . والخلاف في رؤية الله في الآخرة شائع بين طوائف المتكلمين فأثبته جمهور أهل السنة لكثرة ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة مع اتفاقهم على أنها رؤية تخالف الرؤية المتعارفة. وعن مالك- رحمه الله- «لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب في قوله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] . وعنه أيضا «لم ير الله في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رأوا الباقي بالباقي» . وأما المعتزلة فقد أحالوا رؤية الله في الآخرة لاستلزامها الانحياز في الجهة. وقد اتفقنا جميعا على التنزيه عن المقابلة والجهة، كما اتفقنا على جواز الانكشاف العلمي التام للمؤمنين في الآخرة لحقيقة الحق تعالى، وعلى امتناع ارتسام صورة المرئي في العين أو اتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئي تعالى لأن أحوال الأبصار في الآخرة غير الأحوال المتعارفة في الدنيا. وقد تكلم أصحابنا بأدلة الجواز وبأدلة الوقوع، وهذا مما يجب الإيمان به مجملا على التحقيق. وأدلة المعتزلة وأجوبتنا عليها مذكورة في كتب الكلام وليست من غرض التفسير ومرجعها جميعا إلى إعمال الظاهر أو تأويله. ثم اختلف أئمتنا هل حصلت رؤية الله تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم فنفي ذلك جمع من الصحابة منهم عائشة وابن مسعود وأبو هريرة-