البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية › 149- 152

جعلوا، أي وخلق المشركين، وموقع هذه الحال التعجيب من أن يجعلوا لله شركاء وهو خالقهم، من قبيل وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة: 82] ، وعلى هذا تكون ضمائر الجمع متناسقة والتعجيب على هذا الوجه من جعلهم ذلك مع أن الله خالقهم في نفس الأمر فكيف لا ينظرون في أن مقتضى الخلق أن يفرد بالإلهية إذ لا وجه لدعواها لمن لا يخلق كقوله تعالى: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل: 17] فالتعجيب على هذا من جهلهم وسوء نظرهم. ويجوز أن يكون ضمير وخلقهم عائدا إلى الجن لصحة ذلك الضمير لهم باعتبار أن لهم عقلا، وموقع الحال التعجيب من ضلال المشركين أن يشركوا الله في العبادة بعض مخلوقاته مع علمهم بأنهم مخلوقون لله تعالى، فإن المشركين قالوا: إن الله خالق الجن، كما تقدم، وأنه لا خالق إلا هو، فالتعجيب من مخالفتهم لمقتضى علمهم. فالتقدير: وخلقهم كما في علمهم، أي وخلقهم بلا نزاع. وهذا الوجه أظهر. وجملة: وخرقوا عطف على جملة: وجعلوا والضمير عائد على المشركين. وقرأ الجمهور وخرقوا- بتخفيف الراء-، وقرأه نافع، وأبو جعفر- بتشديد الراء-. والخرق: أصله القطع والشق. وقال الراغب: هو القطع والشق على سبيل الفساد من غير تدبر، ومنه قوله تعالى: أخرقتها لتغرق أهلها [الكهف: 71] . وهو ضد الخلق، فإنه فعل الشيء بتقدير ورفق، والخرق بغير تقدير. ولم يقيده غيره من أئمة اللغة. وأيا ما كان فقد استعمل الخرق مجازا في الكذب كما استعمل فيه افترى واختلق من الفري والخلق. وفي «الكشاف» : سئل الحسن عن قوله تعالى: وخرقوا فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول بعضهم: «قد خرقها والله» . وقراءة نافع تفيد المبالغة في الفعل لأن التفعل يدل على قوة حصول الفعل. فمعنى خرقوا كذبوا على الله على سبيل الخرق، أي نسبوا إليه بنين وبنات كذبا،

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٤٠٧

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤٠٧)