البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية

والرؤية يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه صار كالشيء المشاهد لوضوحه في أحوال تقرباتهم للأصنام من الحجارة فهي حالة مشاهد ما فيها من الضلال. وعليه فقوله: في ضلال مبين في موضع الحال. ويجوز كون الرؤية علمية، وقوله: في ضلال مبين في موضع المفعول الثاني. وفائدة عطف وقومك على ضمير المخاطب مع العلم بأن رؤيته أباه في ضلال يقتضي أن يرى مماثليه في ضلال أيضا لأن المقام مقام صراحة لا يكتفى فيه بدلالة الالتزام ولينبئه من أول وهلة على أن موافقة جمع عظيم إياه على ضلاله لا تعصد دينه ولا تشكك من ينكر عليه ما هو فيه. ومبين اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي ظاهر. ووصف الضلال ب مبين نداء على قوة فساد عقولهم حيث لم يتفطنوا لضلالهم مع أنه كالمشاهد المرئي. ومباشرته إياه بهذا القول الغليظ كانت في بعض مجادلاته لأبيه بعد أن تقدم له بالدعوة بالرفق، كما حكى الله عنه في موضع آخر يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا - إلى قوله- سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا [مريم: 42- 47] . فلما رأى تصميمه على الكفر سلك معه الغلظة استقصاء لأساليب الموعظة لعل بعضها أن يكون أنجع في نفس أبيه من بعض فإن للنفوس مسالك ولمجال أنظارها ميادين متفاوتة، ولذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] ، وقال له في موضع آخر واغلظ عليهم [التوبة: 73] . فحكى الله تعالى عن إبراهيم في هذه الآية بعض مواقفه مع أبيه وليس في ذلك ما تنافي البرور به لأن المجاهرة بالحق دون سب ولا اعتداء لا ينافي البرور. ولم يزل العلماء يخطئون أساتذتهم وأئمتهم وآباءهم في المسائل العلمية بدون تنقيص. وقد قال أرسطاليس في اعتراض على أفلاطون: أفلاطون صديق والحق صديق لكن الحق أصدق.

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٣١٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٣١٤)