البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية

(55) الواو استئنافية كما تقدم في قوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض [الأنعام: 53] . والجملة تذييل للكلام الذي مضى مبتدئا بقوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [الأنعام: 51] . والتفصيل: التبيين والتوضيح، مشتق من الفصل، وهو تفرق الشيء عن الشيء. ولما كانت الأشياء المختلطة إذا فصلت يتبين بعضها من بعض أطلق التفصيل على التبيين بعلاقة اللزوم، وشاع ذلك حتى صار حقيقة، ومن هذا القبيل أيضا تسمية الإيضاح تبيينا وإبانة، فإن أصل الإبانة القطع. والمراد بالتفصيل الإيضاح، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدلالة على المقصود منها. والآيات: آيات القرآن. والمعنى نفصل الآيات ونبينها تفصيلا مثل هذا التفصيل الذي لا فوقه تفصيل، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بينا. وقوله: ولتستبين عطف على علة مقدرة دل عليها قوله: وكذلك نفصل الآيات لأن المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان، فيعلم من الإشارة إليه أن الغرض منه اتضاح العلم للرسول. فلما كان ذلك التفصيل بهذه المثابة علم منه أنه علة لشيء يناسبه وهو تبين الرسول ذلك التفصيل، فصح أن تعطف عليه علة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي استبانته سبيل المجرمين. فالتقدير مثلا: وكذلك التفصيل نفصل الآيات لتعلم بتفصيلها كنهها، ولتستبين سبيل المجرمين، ففي الكلام إيجاز الحذف. وهكذا كلما كان استعمال (كذلك) نفعل بعد ذكر أفعال عظيمة صالحا الفعل المذكور بعد الإشارة لأن يكون علة لأمر من شأنه أن يعلل بمثله صح أن تعطف عليه علة أخرى كما هنا، وكما في قوله: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [الأنعام: 75] بخلاف ما لا يصلح، ولذلك فإنه إذا أريد ذكر علة بعده ذكرت بدون عطف، نحو قوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] . وسبيل المجرمين طريقهم وسيرتهم في الظلم والحسد والكبر واحتقار الناس والتصلب في الكفر.

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٢٦٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٦٠)