سورة الأنعام › [سورة الأنعام (6) : آية
على أهل النعمة من المشركين، وتكون إشارة هؤلاء راجعة إلى عظماء المشركين ويكون المراد بالمن إعطاء المال وحسن حال العيش، ويكون الاستفهام مستعملا في التحير على سبيل الكناية، والإشارة إلى المشركين معتبر فيها ما عرفوا به من الإشراك وسوء الاعتقاد في الله. والمعنى: وكذلك الفتون الواقع لعظماء المشركين، وهو فتون الإعجاب والكبرياء حين ترفعوا عن الدخول فيما دخل فيه الضعفاء والعبيد من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبته استكبارا عن مساواتهم، كذلك كان فتون بعض آخر وهم بعض المؤمنين حين يشاهدون طيب عيش عظماء المشركين في الدنيا مع إشراكهم بربهم فيعجبون كيف من الله بالرزق الواسع على من يكفرون به ولم يمن بذلك على أوليائه وهم أولى بنعمة ربهم. وقد أعرض القرآن عن التصريح بفساد هذا الخاطر النفساني اكتفاء بأنه سماه فتنة، فعلم أنه خاطر غير حق، وبأن قوله: أليس الله بأعلم بالشاكرين مشير إلى إبطال هذه الشبهة. ذلك بأنها شبهة خلطت أمر شيئين متفارقين في الأسباب، فاشتبه عليهم الجزاء على الإيمان وما أعد الله لأهله من النعيم الخالد في الآخرة، المترتب عليه ترتب المسبب على السبب المجعول عن حكمة الله تعالى، بالرزق في الدنيا المترتب على أسباب دنيوية كالتجارة والغزو والإرث والهبات. فالرزق الدنيوي لا تسبب بينه وبين الأحوال القلبية ولكنه من مسببات الأحوال المادية فالله أعلم بشكر الشاكرين، وقد أعد لهم جزاء شكرهم، وأعلم بأسباب رزق المرزوقين المحظوظين. فالتخليط بين المقامين من ضعف الفكر العارض للخواطر البشرية والناشئ عن سوء النظر وترك التأمل في الحقائق وفي العلل ومعلولاتها. وكثيرا ما عرضت للمسلمين وغيرهم شبه وأغلاط في هذا المعنى صرفتهم عن تطلب الأشياء من مظانها وقعدت بهم عن رفو أخلالهم في الحياة الدنيا أو غرتهم بالتفريط فيما يجب الاستعداد له كل ذلك للتخليط بين الأحوال الدينية الأخروية وبين السنن الكونية الدنيوية، كما عرض لابن الراوندي من حيرة الجهل في قوله: كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا