البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة الأنعام › سورة الأنعام (6) : الآيات 8 إلى 9

ومعنى: لقضي تمم، كما دل عليه قوله: ثم لا ينظرون ذلك أنه لا تنزل ملائكة غير الذين سخرهم الله للأمور المعتادة مثل الحفظة، وملك الموت، والملك الذي يأتي بالوحي إلا ملائكة تنزل لتأييد الرسل بالنصر على من يكذبهم، مثل الملائكة التي نزلت لنصر المؤمنين في بدر. ولا تنزل الملائكة بين القوم المغضوب عليهم إلا لإنزال العذاب بهم، كما نزلت الملائكة في قوم لوط. فمشركو مكة لما سألوا النبيء أن يريهم ملكا معه ظنوا مقترحهم تعجيزا، فأنبأهم الله تعالى بأنهم اقترحوا أمرا لو أجيبوا إليه لكان سببا في مناجزة هلاكهم الذي أمهلهم إليه فيه رحمة منه. ولعل حكمة ذلك أن الله فطر الملائكة على الصلابة والغضب للحق بدون هوادة، وجعل الفطرة الملكية سريعة لتنفيذ الجزاء على وفق العمل، كما أشار إليه قوله تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فلذلك حجزهم الله عن الاتصال بغير العباد المكرمين الذين شابهن نفوسهم الإنسانية النفوس الملكية، ولذلك حجبهم الله عن النزول إلى الأرض إلا في أحوال خاصة، كما قال تعالى عنهم: وما نتنزل إلا بأمر ربك، وكما قال: ما ننزل الملائكة إلا بالحق فلو أن الله أرسل ملائكة في الوسط البشري لما أمهلوا أهل الضلال والفساد ولنا جزوهم جزاء العذاب، ألا ترى أن الملائكة الذين أرسلهم الله لقوم لوط لما لقوا لوطا قالوا: يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل. ولما جادلهم إبراهيم في قوم لوط بعد أن بشروه واستأنس بهم قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وهو نزول الملائكة فليس للملائكة تصرف في غير ما وجهوا إليه. فمعنى الآية أن ما اقترحوه لو وقع لكان سيء المغبة عليهم من حيث لا يشعرون. وليس المراد أن سبب عدم إنزال الملك رحمة بهم بل لأن الله ما كان ليظهر آياته عن اقتراح الضالين، إذ ليس الرسول صلى الله عليه وسلم بصدد التصدي لرغبات الناس مثل ما يتصدى الصانع أو التاجر، ولو أجيبت رغبات بعض المقترحين لرام كل من عرضت عليه الدعوة أن تظهر له آية حسب مقترحه فيصير الرسول صلى الله عليه وسلم مضيعا مدة الإرشاد وتلتف عليه الناس التفافهم على المشعوذين، وذلك ينافي حرمة

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ١٤٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٤٤)