البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › سورة المائدة (5) : الآيات 116 إلى 118

فيما قلت حد التبليغ لما أمرتني به، فالموصول وصلته هو مقول ما قلت لهم وهو مفرد دال على جمل، فلذلك صح وقوعه منصوبا بفعل القول. وأن مفسرة أمرتني لأن الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة اعبدوا الله ربي وربكم تفسيرية ل أمرتني. واختير أمرتني على (قلت لي) مبالغة في الأدب. ولما كان أمرتني متضمنا معنى القول كانت جملة اعبدوا الله ربي وربكم هي المأمور بأن يبلغه لهم فالله قال له: قل لهم اعبدوا الله ربي وربكم. فعلى هذا يكون ربي وربكم من مقول الله تعالى لأنه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبر عن ذلك بفعل أمرتني به صح تفسيره بحرف أن التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي أمره الله بأن يقوله. فلا حاجة إلى ما تكلف به في «الكشاف» على أن صاحب «الانتصاف» جوز وجها آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول المأمور به بالمعنى، فيكون الله تعالى قال له: قل لهم أن يعبدوا ربك وربهم. فلما حكاه عيسى قال: اعبدوا الله ربي وربكم اه. وهذا التوجيه هو الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالا لحكاية القول بالمعنى. وأقول: هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم في سورة الأنعام [6] إذا أخبرت أنك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال له: فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها، فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة اه. وعندي أنه ضعيف في هذه الآية. ثم تبرأ من تبعتهم فقال وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم أي كنت مشاهدا لهم ورقيبا يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء. وما دمت (ما) فيه ظرفية مصدرية، و (دام) تامة لا تطلب منصوبا، وفيهم متعلق ب دمت، أي بينهم، وليس خبرا ل (دام) على الأظهر، لأن (دام) التي تطلب خبرا هي التي يراد منها الاستمرار على فعل معين هو مضمون خبرها، أما هي هنا فهي بمعنى البقاء، أي ما بقيت فيهم، أي ما بقيت في الدنيا.

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ١١٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١١٦)