البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › سورة المائدة (5) : آية 97

القلائد، فكيف بما عداها من جلال البدن ونعالها وكسوة الكعبة، ولأن القلائد أيضا لا يخلو عنها هدي من الهدايا بخلاف الجلال والنعال. ونظير هذا قول أبي بكر «والله لو منعوني عقالا» إلخ ... وقوله: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض الآية، مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله لتعلموا. وتوسط اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار إليه، وهو الجعل المأخوذ من قوله: جعل الله الكعبة، فتوسط اسم الإشارة هنا شبيه بتوسط ضمير الفصل، فلذلك كان الكلام شبيها بالمستأنف وما هو بمستأنف، لأن ما صدق اسم الإشارة هو الكلام السابق، ومفاد لام التعليل الربط بالكلام السابق، فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل، والتعليل اتصال وليس باستئناف، لأن الاستئناف انفصال. وليس في الكلام السابق ما يصلح لأن تتعلق به لام التعليل إلا قوله جعل. وليست الإشارة إلا للجعل المأخوذ من قوله جعل. والمعنى: جعل الله الكعبة قياما للناس لتعلموا أن الله يعلم إلخ..، أي أن من الحكمة التي جعل الكعبة قياما للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم. فجعل الكعبة قياما مقصود منه صلاح الناس بادىء ذي بدء لأنه المجعولة عليه، ثم مقصود منه علم الناس بأنه تعالى عليم. وقد تكون فيه حكم أخرى لأن لام العلة لا تدل على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدد العلل للفعل الواحد، لأن هذه علل جعلية لا إيجادية، وإنما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدة الاهتمام بها، لأنها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك. فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياما لأجلها. والمقصود أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض قبل وقوعه لأنه جعل التعليل متعلقا بجعل الكعبة وما تبعها قياما للناس. وقد كان قيامها للناس حاصلا بعد وقت جعلها بمدة، وقد حصل بعضه يتلو بعضا في أزمنة متراخية كما هو واضح. وأما كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنه أولى، ولأن كثيرا من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها.

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٥٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٥٩)