البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : آية

الصيد ما هو صغير كان مخيرا بين أن يعطي أقل ما يجزي من الهدي من الأنعام وبين أن يعطي قيمة ما صاده طعاما ولا يعطي من صغار الأنعام. وقال مالك في «الموطأ» : وكل شيء فدي ففي صغاره مثل ما يكون في كباره. وإنما مثل ذلك مثل دية الحر الصغير والكبير بمنزلة واحدة. وقال الشافعي وبعض علماء المدينة: إذا كان الصيد صغيرا كان جزاؤه ما يقاربه من صغار الأنعام لما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزبير المكي أن عمر بن الخطاب قضى في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة. قال الحفيد ابن رشد في كتاب «بداية المجتهد» : وذلك ما روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود اه. وأقول: لم يصح عن النبيء صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، فأما ما حكم به عمر فلعل مالكا رآه اجتهادا من عمر لم يوافقه عليه لظهور الاستدلال بقوله تعالى: هديا بالغ الكعبة. فإن ذلك من دلالة الإشارة، ورأى في الرجوع إلى الإطعام سعة، على أنه لو كان الصيد لا مماثل له من صغار الأنعام كالجرادة والخنفساء لوجب الرجوع إلى الإطعام، فليرجع إليه عند كون الصيد أصغر مما يماثله مما يجزىء في الهدايا. فمن العجب قول ابن العربي: إن قول الشافعي هو الصحيح، وهو اختيار علمائنا. ولم أدر من يعنيه من علمائنا فإني لا أعرف للمالكية مخالفا لمالك في هذا. والقول في الطير كالقول في الصغير وفي الدواب، وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة فيرجع إلى الإطعام. ولما سمى الله هذا جزاء وجعله مماثلا للمصيد دلنا على أن من تكرر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكل دابة قتلها، خلافا لداوود الظاهري، فإن الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك النوع، ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلا لجميع ما قتله. وقرأ جمهور القراء فجزاء مثل ما قتل بإضافة فجزاء إلى مثل فيكون فجزاء مصدرا بدلا عن الفعل، ويكون مثل ما قتل فاعل المصدر أضيف إليه مصدره. ومن النعم بيان المثل لا ل ما قتل. والتقدير: فمثل ما قتل من النعم يجزىء جزاء

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ٤٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٤٦)