البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › سورة المائدة (5) : الآيات 82 إلى 84

والخطاب في قوله ترى أعينهم للنبيء صلى الله عليه وسلم. إن كان قد رأى منهم من هذه صفته، أو هو خطاب لكل من يصح أن يرى. فهو خطاب لغير معين ليعم كل من يخاطب. وقوله: تفيض من الدمع معناه يفيض منها الدمع لأن حقيقة الفيض أن يسند إلى المائع المتجاوز حاويه فيسيل خارجا عنه. يقال: فاض الماء، إذا تجاوز ظرفه. وفاض الدمع إذا تجاوز ما يغرورق بالعين. وقد يسند الفيض إلى الظرف على طريقة المجاز العقلي، فيقال: فاض الوادي، أي فاض ماؤه، كما يقال: جرى الوادي، أي جرى ماؤه. وفي الحديث: «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» . وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسناد المجازي فيقولون: فاضت عينه دمعا، بتحويل الإسناد المسمى تمييز النسبة، أي قرينة النسبة المجازية. فأما ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع أن يكون (من) الداخلة على الدمع هي البيانية التي يجر بها اسم التمييز، لأن ذلك عندهم ممتنع في تمييز النسبة، فتكون الآية منسوجة على منوال القلب للمبالغة، قلب قول الناس المتعارف: فاض الدمع من عين فلان، فقيل: أعينهم تفيض من الدمع، فحرف (من) حرف ابتداء. وإذا أجري على قول نحاة الكوفة كانت (من) بيانية جارة لاسم التمييز. وتعريف الدمع تعريف الجنس، مثل: طبت النفس. و (من) في قوله مما عرفوا تعليلية، أي سبب فيضها ما عرفوا عند سماع القرآن من أنه الحق الموعود به. فمن قائمة مقام المفعول لأجله كما في قوله: تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا [التوبة: 92] ، أي ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بشر به، وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين. و (من) في قوله

التحرير والتنوير · الجزء ٧ · ص ١٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٠)