البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : الآيات 78 إلى

والتفريط في المهمات، لأن التفطن لأسباب العقوبة أول درجات التوفيق. ومثل ذلك مثل البله من الناس تصيبهم الأمراض المعضلة فيحسبونها من مس الجن أو من عين أصابتهم ويعرضون عن العلل والأسباب فلا يعالجونها بدوائها. و (ما) في قوله بما عصوا مصدرية، أي بعصيانهم وكونهم معتدين، فعدل عن التعبير بالمصدرين إلى التعبير بالفعلين مع (ما) المصدرية ليفيد الفعلان معنى تجدد العصيان واستمرار الاعتداء منهم، ولتفيد صيغة المضي أن ذلك أمر قديم فيهم، وصيغة المضارع أنه متكرر الحدوث. فالعصيان هو مخالفة أوامر الله تعالى. والاعتداء هو إضرار الأنبياء. وإنما عبر في جانب العصيان بالماضي لأنه تقرر فلم يقبل الزيادة، وعبر في جانب الاعتداء بالمضارع لأنه مستمر، فإنهم اعتدوا على محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والمنافقة ومحاولة الفتك والكيد. وجملة كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا لسؤال ينشأ عن قوله: ذلك بما عصوا، وهو أن يقال كيف تكون أمة كلها متمالئة على العصيان والاعتداء، فقال: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أن النفر القليل، فإذا لم يجدوا من يغير عليهم تزايدوا فيها ففشت واتبع فيها الدهماء بعضهم بعضا حتى تعم وينسى كونها مناكر فلا يهتدي الناس إلى الإقلاع عنها والتوبة منها فتصيبهم لعنة الله. وقد روى الترمذي وأبو داوود من طرق عن عبد الله بن مسعود بألفاظ متقاربة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان الرجل من بني إسرائيل يلقى الرجل إذا رآه على الذنب فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وخليطه وشريكه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ثم قرأ: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله: فاسقون [المائدة: 78- 81] ثم قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض أو ليلعنكم كما لعنهم» .

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٢٩٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٩٣)