البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : آية

وصموا ثانية غير الذين عموا وصموا أول مرة، ولكنهم لما كانوا خلفا عن سلف، وكانوا قد أورثوا أخلاقهم أبناءهم اعتبروا كالشيء الواحد، كقولهم: بنو فلان لهم ترات مع بني فلان. وقوله: كثير منهم بدل من الضمير في قوله: ثم عموا وصموا، قصد منه تخصيص أهل الفضل والصلاح منهم في كل عصر بأنهم برآء مما كان عليه دهماؤهم صدعا بالحق وثناء على الفضل. وإذ قد كان مرجع الضميرين الأخيرين في قوله: ثم عموا وصموا هو عين مرجع الضميرين الأولين في قوله: فعموا وصموا كان الإبدال من الضميرين الأخيرين المفيد تخصيصا من عمومهما، مفيدا تخصيصا من عموم الضميرين الذين قبلهما بحكم المساواة بين الضمائر، إذ قد اعتبرت ضمائر أمة واحدة، فإن مرجع تلك الضمائر هو قوله بني إسرائيل [المائدة: 70] . ومن الضروري أنه لا تخلوا أمة ضالة في كل جيل من وجود صالحين فيها، فقد كان في المتأخرين منهم أمثال عبد الله بن سلام، وكان في المتقدمين يوشع وكالب اللذين قال الله في شأنها قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب [المائدة: 23] . وقوله: والله بصير بما يعملون تذييل. والبصير مبالغة في المبصر، كالحكيم بمعنى المحكم، وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يقع في أفعالهم التي من شأنها أن يبصرها الناس سواء ما أبصره الناس منها أم ما لم يبصروه، والمقصود من هذا الخبر لازم معناه، وهو الإنذار والتذكير بأن الله لا يخفى عليه شيء، فهو وعيد لهم على ما ارتكبوه بعد أن تاب الله عليهم. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر ألا تكون- بفتح نون تكون على اعتبار (أن) حرف مصدر ناصب للفعل. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ويعقوب، وخلف- بضم النون- على اعتبار (أن) مخففة من (أن) أخت (إن) المكسورة الهمزة، وأن إذا خففت يبطل عملها المعتاد وتصير داخلة على جملة. وزعم بعض النحاة أنها مع ذلك عاملة، وأن اسمها ملتزم الحذف، وأن خبرها ملتزم كونه جملة.

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٢٧٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٧٩)